فصل في الإخلاص
قال اللّه تعالى :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ البيّنة : 5 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - :
« من أخلص للّه تعالى أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » « 1 » .
اعلم أن الإخلاص خلوص النظر من الخلق إلى الحق . وهو على ثلاثة أقسام :
إخلاص العوام : وهو خلوص الأحوال عن شوائب الرياء . قال - صلى اللّه عليه وسلم - :
« اليسير من الرياء شرك » « 2 » .
إخلاص الخواص : وهو خلوص النية عن شوائب النظر إلى الدارين ، قال - عليه الصلاة والسلام - :
« إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى » « 3 »
من عمله .
إخلاص الأخص : وهو خلوص جوهر الإنساني عن شوب الوجود وشينه .
قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « سألت جبريل - عليه السلام - عن الإخلاص ما هو . قال : سألت رب العزة عن الإخلاص ما هو ؟ قال : سر من سري استودعته قلب من أحببته من عبادي » « 4 » .
وهو سر الفناء من سر البقاء ، أودعته قلوب المحبين فإن المحبة دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحب ، وهذا معنى قوله : « فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا » « 5 » وقد جاء في رواية أخرى
« الإخلاص سر بيني وبين عبدي لا يسعه ملك مقرب ولا نبي مرسل » « 6 » .
والفرق بين المخلص والمخلص . أن المخلص : من أخلص في العبودية للربوبية . قال اللّه تعالى :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ
[ البيّنة : 5 ] والمخلص :
من أخلصه الحق عن حبس الوجود ببذل الجود . قال تعالى :
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ
هامش
( 1 ) رواه الشهاب في مسنده ، حديث رقم ( 466 ) [ ج 1 ص 285 ] .
( 2 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب الإيمان ، حديث رقم ( 4 ) [ ج 1 ص 44 ] ورواه ابن ماجة ، كتاب الفتن ، باب من ترجى له السلامة من الفتن ، حديث رقم ( 3989 ) ورواه غيرهما .
( 3 ) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب كيف كان بدء الوحي . . . ، حديث رقم ( 1 ) ورواه أبو داود في سننه ، كتاب الطلاق ، باب ما عني به الطلاق ، حديث رقم ( 2201 ) ورواه غيرهما .
( 4 ) رواه أبو عبد الرحمن السلمي في كتابه عوارف المعارف . الباب السادس والعشرون في خاصية الأربعينية التي يتعاهدها الصوفية .
( 5 ) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الرقاق ، باب التواضع ، حديث رقم ( 6502 ) ورواه البيهقي ، في سننه الكبرى ، باب الخروج من المظالم والتقرب إلى اللّه تعالى بالصدقة . . . ، حديث رقم ( 6188 ) [ ج 3 ص 346 ] ورواه غيرهما .
( 6 ) أورده البروسي في تفسيره روح البيان عند تفسير قوله تعالى :إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ( 5 ) .