لعلك تشتهي يا بني أن تقف على حقيقة قدمك وأنت ترجح الأشياء بعقلك عابد هواك منعكف على صنم لذتك تتبع خطوات الشيطان وتمشي في ظلم المخالفة والعصيان وتسعى على قدم غرور وذهلت عن المصير إلى من إليه تصير الأمور وهبهات لا بد من مقدمات مجاهدات ومراعاة ما توجه عليك في رجليك من التكليفات كسائر الأعضاء من قبض بتقييد عن السعي في المحرمات والمحظورات وبسط بتكثير الخطأ إلى المساجد ولزوم الجماعات وكن المشائين في الظلم إلى المساجد تبشر بالنور التام في الصامتين وامش في قضاء حوائج إخوانك من المسلمين والمسلمات واسع على عيالك وأثبت يوم الزحف ولا تزل قدمك ولا نزال في ذلك اليوم إن استطعت وأسلك بها على الصراط المستقيم ولا تتبع السبل ولا تمش في الأرض مرحا وأعلم أنك إذا أحكمت المشي على هذه المقامات وما أشبهها فقد أحكمت المشي على أحد من السيف وأرق من الشعر بل أدق وأخفى وإن اللّه تعالى إذا سلكت ما ذكرته لك يكرمك اللّه إن شاء اللّه بكرامات ويطلعك على منازل كما كان في سائر الأعضاء تكرمه من اللّه بك وعناية ليثبت به فؤادك فمن الكرامات المختصة بهذا المقام في ظاهر الكون ثلاثة أشياء المشي على الماء وطي الأرض والمشي في الهواء والحكايات في هذه المقامات عن الأولياء أشهر من أن تذكر فلم نحتج إلى ذكرها هنا لشهرتها ولأن الدواوين ملئت منها فإن للّه تعالى أولياء يفعل معهم هذا كله وغرضنا الاختصار فلنذكر منازلها العلية ( منازله ) إعلم يا بني أنه لا يزال الموفق السعيد في هذه الكرامات سائحا وعلى أسرارها غاديا ورائحا وبهذه التخلقات المذكورة متصفا حتى يفتح له باب إلى عالم الملكوت فيكون سعيه فيه على قدر ما كان سعيه في عالم الشهادة في المسارعة إلى الخيرات فعلى قدر سرعته هنا يكون كشفه هناك فمن طويت له هنا الأرض زويت له في ذلك العالم الروحاني أرض الأجسام فعلم حقائقها ووقف على طبقاتها ظاهرا وباطنا وعرف سرائرها وكل ما أودع اللّه فيها من حكمة لطيفة وسر شريف عضوا عضوا ومفصلا مفصلا يحيط بها علما أو من سعي هنا في فضيلة وخلق أورثه المشي على الماء وفتح له باب في عالم الملكوت عن سر الحياة والعلم المودع في الماء فعرف الحياة اللطيفة الموسومة بالعلم وعرف الحياة الموقوفة على الجسم لاحساس الآلام واللذات ومعرفة الأشياء ثم جمع بينهما بأمر لطيف يعرفه صاحب ذلك المقام ويعرفه في هذه الحضرة مرتبة كل علم وأين حظه في الوجود وبمن يتعلق وعلى من يتوجه وكيفية صدوره وبوقوفه على هذه العلوم
مجموعه رسائل ابن عربي — صفحة 329
مساهمون: ابن عربي
ص٣٢٩