قام بهما من السر المتقف ، فيأتلف السر مع السر بواسطة التعارف .
وفي الحديث « 1 » : « الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » فإن حصل الكشف من الجانبين : حصل التحابب من الجانبين
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
وإن حصل من أحد الجانبين اختص بالمحبة ، ولهذا تجد بعض الناس يحب من لا يظهر عليه أنه يحبه ، لأن المحب كشف له عن سر التوحيد المناسب له القائم بمحبوبه ، فألفه ولم يكشف لمحبوبه عن السر القائم بمحبه .
وجملة الأمر : أن لا محبوب في الوجود إلّا اللّه .
ولقد أحسن بعضهم في التنبيه على ذلك إجمالا فقال في محبوبه شعرا :
شيء به تسبى القلوب سوى الذي * يدعي الجمال ، ولست أدري ما هو ! ! ؟
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في « كتاب أحاديث الأنبياء » ( عليهم الصلاة والسلام ) عن عائشة ( رضي اللّه عنها ) ، قالت : سمعت النبي ( ص ) يقول : « الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها إئتلف ، وما تناكر منها اختلف » .
ورواه مسلم من حديث أبي هريرة . قال العيني في عمدة القاري : الأرواح : جمع روح ، وهو الذي يقوم به الجسد ، ويكون به الحياة ( جنود مجندة ) أي جموع مجتمعة ، وأنواع مختلفة ، وقيل : أجناس مجنسة ، وفي هذا دليل على أن الأرواح ليست بأعراض ، فإنها كانت موجودة قبل الأجساد ، وانها تبقى بعد فناء الأجساد ، ويؤيده « أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر » .
وتعارفها : موافقة صفاتها التي خلقها اللّه عليها ، وتناسبها في أخلاقها ، وقال : لأنها خلقت مجتمعة ، ثم فرقت في أجسادها ، فمن وافق قسيمه ألفه ، ومن باعده نافرة .
وقال الخطابي فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر ، وأن الخير من الناس يحن إلى شكله ، والشر يميل إلى نظيره ، والأرواح إنما تتعارف بضرائب طباعها ، التي جبلت عليها من الخير والشر ، فإذا اتفقت الأشكال تعارفت ، وتآلفت ، وإذا اختلفت تنافرت وتناكرت .
والآخر : انه روى أن اللّه تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد ، وكانت تلتقي ، فلما التبست بالأجساد ، تعارفت بالذكر الأول ، فصار كل واحد منها إنما يعرف وينكر على ما سبق له من العهد المتقدم .
وقال القرطبي : إذا وجد أحد من نفسه نفرة ممن له فضيلة ، أو صلاح يفتش عن الموجب لها ، فإنه ينكشف له ، فيتعين عليه أن يسعى في إزالة ذلك ، حتى يتخلص من ذلك الوصف المذموم ، وكذلك القول إذا وجد في نفسه ميلا إلى من فيه شر وشبهة ، ا ه المراد ، ا ه مخيون .