فصل [ ومن ذلك قال : فلمّا قام بنفس الملك خاطر السعادة . . . ]
ومن ذلك قال :
فلمّا قام بنفس الملك خاطر السعادة ، والتوجه إلى طريق الاستفادة ، والبحث عن الأمر الذي به دوام الملك فقام بعض حكمائه ، وأخصّاء علمائه وقال :
أيها الملك مطلبك في قدرتي ، وحاجتك تحت قوّتي ، ولكن قد لا تعرف قدرها فيحرمك اللّه خيرها . فأنا أنبهك أولا عن كيفية إيجادها ، وحسن إسعادها ، بأنها من اللّه بمكان ، وكأنها شاركت القدرة في إيجاد الأعيان ، فهي حكمة علوية ، مدرجة في صناعة علمية ، لتعلم أيها الملك أن اللّه هو الحكيم الخبير ، وأنه على كل شيء قدير ، وأنه قبل كل شيء ، وأنه أوجد الأشياء لا من شيء ، ولكن مع اتصافه بهذه القدرة المحققة ، النافذة المطلقة ، لم يوجد لهذي المعادن ابتداء ، حتى خلق الأفلاك ، العلوية والروحانية السماوية ، واللمحات الأفقية ، وأودع كل فلك روحانية كوكبية تحتوي على خاصية بها ، وعند وجودها خلق الأرض والسماء والهواء والأثير .
ثم أوجد فيها منها دائرة الزمهرير ، ثم أجرى الشمس والقمر ، والنجوم مسخرات بأمره ، وخصّ كل متكون من هذه الأجرام بسرّ من مكنون سرّه ، تظهر المعادن في أعيانها ، وتخلصت بكرور أزمانها . فإذا كان اللّه مع قدرته ونفوذ إرادته ، وقوة علمه لم يوجد شيئا من المعادن إلا بعد خلق هذه الأدوات ، وأجرى هذه المسخرات . فكيف تطمع أنت أيها الملك أن تكون فعالا لهذه الحكمة مع عدم هذه الأدوات وتحصيل هذه الآلات . فإن قدرتك قاصرة ، وصفقتك إن لم تحصّل هذه الآلات خاسرة ، وما فعل اللّه شيئا من هذه الأدوات ، وقدم هذه الآلات مع غنائه عنها إلّا لحكمة علمها من علمها ، وجهلها من جهلها .
قال الملك : فكيف السبيل إلى تحصيل هذه الأدوات ، وتركيب هذه المقامات .
فقال الحكيم : أيها الملك ألست ساكنا تحت خطّ الاستواء ، وإنّك من أهل السواء ؟
فقال الملك : نعم .
فقال الحكيم : من أراد أن يعلم أصل نشأة العالم ، وترتيب هيئتي من خط الاستواء نعرّفه .