لثواب الآخرة سببا ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي ، وإنها لسريعة الذهاب ، وشبكة الانقلاب . فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها ، واهجروا لذيذ عاجلها لكريه آجلها ، ولا تسعوا في غمرات دار قد قضى اللّه خرابها ، ولا تواصلوها وقد أراد اللّه منكم اجتنابها ، فتكونوا لسخطه متعرضين ، ولعقوبته مستحقين » .
ولما أتى علي رضي اللّه عنه العراق دخل المدائن ، فنظر إلى إيوان كسرى معتبرا ، فجعل يبكي ، فقام إليه بعض الحاضرين فقال : يا أمير المؤمنين ، أتحب أن أسمعك قول الأسود بن يعفر ؟ فقال : إن شئت ، وعليّ يتلو قوله تعالى :
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
، قال : وأي آية ؟ ما أعظمها ، ثم قال : يا هذا ، ما قال الأسود ؟ فقال :
ما ذا يؤمل بعد آل محرّق * تركوا منازلهم وبعد إياد
أرض الخورنق والسدير وبارق * والقصر ذو الشرفات من سنداد
نزلوا بأنفرة تسيل عليهم * ماء الفرات يجيء من أطواد
أرض تخيّرها لطيب نسيمها * كعب بن مامة وابن أم دواد
جرت الرياح على محل ديارهم * فكأنما كانوا على ميعاد
فإذا النعيم وكل ما يلهى به * يوما يصير إلى بلى ونفاد
فقال علي رضي اللّه عنه : يا هذا ، أبلغ من ذلك قول اللّه تعالى :
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ
.
سمعت محمد بن أبي محمد الكتاني ينشد يوما أبياتا فأثّر بي سماعها ، وهي :
لو جرى دمعك يا هذا دما * ما تقدمت إلينا قدما
إنما يصفو هوانا لامرئ * حفظ العهد وراعى الذمما
كيف يخفى لك أمر بعد ما * نشر العذر عليه علما
عندنا منك أمور كلها * حيرة فيما لدينا وعما
وأرى داءك داء معضلا * أبدا تزداد فيه سقما
كم حميناك فلم تبق لنا * وتعدّيت ووافيت الحمى
نح علينا أسفا أو لا تنح * واقرع السنّ علينا ندما
لو أردناك لنا ما فتنا * أو وصلنا حبلنا ما انصرما
ما رأينا منصفا عامله * منصف في صفقة فاختصما
أنت لو سالمتنا نلت المنى * قلّ من سالم إلا سلما
كان ثوبة صاحب ليلى الأخيلية قد قال :