قال : سمعت علوس الدينوري ، قال : سمعت المزني يقول : كنت مجاورا بمكة فخطر لي خاطر في الخروج إلى المدينة ، فخرجت ، فبينما أنا بين المسجد أمشي ، فإذا أنا بشاب مطروح ينزع ، فشهق شهقة كانت فيها نفسه ، فكفّنته في أطمار ، ودفنته ، ورجعت .
وبه قال الخوّاص : كنت بمكة ، فبينما أنا أطوف بالبيت نوديت في سرّي : امضي إلى بلاد الروم . فقلت : يا عجبا ، أكون ببيت اللّه الحرام فأتركه ، وأمضي إلى بلاد الروم ؟ ثم هممت بالطواف ، فلم أستطع ، فسرت إلى بلاد الروم ، فلما دخلتها سمعت الناس يقولون :
إن بنت الملك قد صرعت ، وقد عرضت على الأطباء فما عرفوا لها دواء . فقلت : احملوني إليها ، فأنا غلام طبيب . فحملت ، فلما دخلت عليها ، قلت : مرحبا يا خوّاص ، فقلت : ما لك ؟ قلت : كنت على ديننا حتى البارحة ، وإني نمت فرأيت في المنام عرش ربي بارزا ، فانتبهت كما ترى ، لا ينطق لساني إلا بقول لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ، فلما رأوني هكذا ، نسبوني إلى الجنون . فقلت : لعل اللّه عز وجل يخلصك منهم . قلت : فمن أين عرفت اسمي ؟ قالت : نوديت : سنبعث لك من تسلمين على يديه ، وألهمت ذكرك .
فهممت بالنهوض ، فقالت : إلى أين ؟ قلت : إلى مكة . قالت : ها هي مكة . فنظرت ، فإذا مكة . فسرت قليلا ، فإذا أنا بالبيت .
ومن باب سماع العارفين قوله :
قفا ودّعا نجدا ومن حل بالحمى * وقلّ لنجد عندنا أن تودّعا
وليست عشيّات الحمى برواجع * إليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
واذكر أيام الحمى ثم انثنى * على كبدي من خشية أن تصدّعا
تفسيره : يقول لعقله ولنفسه : ودّعا الرفيق الأعلى ، والأرواح العلى التي محلها الحمى الإلهي ، على أنه لا يصح مفارقته بالكنه الرقائق التي بينهما وبينه . وليست عشّيت الحمى برواجع ، أي الأنوار التي تغشى حمتها إلا لطاف الخفيّة عنها ، فهي بحجابها في عالم الأكوان تذكر أيامها بالحمى الإلهي ، فتنعطف على كبدها ، إشارة إلى عنصر الحياة التي سرت مادته في جميع الموجودات ، وتصدعه وتفرقه .
ولنا نظم في هذا الباب :
وزاحمني عند استلامي أو أنس * أتين إلى التطواف معتجرات
حسرن عن أمثال الشموس وقلن لي * تودّع فموت النفس في اللحظات
فكم قد قتلنا بالمحصّب من منى * نفوسا أبيات لدى الجمرات
وفي سرحة الوادي وأعلام رامة * وجمع وعند النفر من عرفات