المعصية ضاعت ، آه على أسرار بسوء المعاملة ذاعت ، آه على أوقات في المخالفة انقرضت ، آه على ساعات اكتساب المعصية ما حفظت ، آه على توبة أبرمت ثم نقضت ، آه على عهود أكدت ثم لفظت ، آه على نفوس تكفّل الخالق بأرزاقها فاعترضت ، آه على شباب ولّي بعد إقباله ، آه على شيب مؤذن للجسد بارتحاله ، فأين الاستعداد والاهتمام ؟
وأين التزوّد والاعتزام ؟ وأين المبادرة والاغتنام ؟ إن كنت ممن يبيع معالم الشريعة بالحطام ، فاعلم أنه ليس في خسارتك كلام .
وأنشدنا محمد بن عبد الواحد لبعضهم :
إذا وافى بصولته المشيب * فلا عيش يلذّ ولا يطيب
أتطمع في الخلود على الليالي * وشيب الرأس يتبعه شعوب
إذا نزل المشيب بأرض عبد * فمنهل موته منه قريب
وأنشدني أبو بكر بن صاف اللخمي لبعضهم :
الحمد للّه ثم الحمد للّه * فما على الأرض من ساه ولا لاه
ما ذا يعاين ذو عينين من عجب * يوم الخروج من الدنيا إلى اللّه
وروينا من حديث الهاشمي بسنده إلى أنس بن مالك قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « أما رأيت المأخوذين على العزة ، والمزعجين بعد الطمأنينة ، الذين أقاموا على الشّبهات ، وجنحوا إلى الشهوات ، حتى أتتهم رسل ربهم ، فلا ما كانوا أمّلوا أدركوا ، ولا إلى ما فاتهم رجعوا ، قدموا على ما عملوا ، وندموا على ما خلّفوا ، أو لم يغن الندم ، وقد جفّ القلم ، فرحم اللّه امرأ قدّم خيرا ، وأنفق قصدا ، وقال صدقا ، وملك دواعي شهواته ولم تملكه ، وعصى إمرة نفسه فلم تهلكه » .
موعظة سفيان الثوري للمنصور بمكة
حدثنا محمد بن إسماعيل التميمي ، ثنا عبد اللّه بن علي بن محمد ، ثنا محمد بن أبي منصور ، عن المبارك بن عبد الجبّار ، ثنا أبو إسحاق البرمكي ، عن أحمد بن جعفر بن سالم ، ثنا أبو بكر بن عبد الخالق ، عن يعقوب بن يوسف النسبي ، عن أبي نشيط محمد بن هارون الغرباني قال : سمعت سفيان الثوري يقول : دخلت على أبي جعفر المنصور بمنى ، فقلت له : اتق اللّه ، فإنما أنزلت هذه المنزلة ، وصرت إلى هذا الموضع ، بسيوف المهاجرين والأنصار ، وأبناؤهم يموتون جوعا . حج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فما أنفق إلا خمسة عشر دينارا ، وكان ينزل تحت الشجر ، فقال لي : إنما أريد أن أكون مثلك ،