تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
يقول : وإن كان محله في هذا الوقت من الرفعة ، بمثل ما وقعت به الكتابة في عالم الأجسام ، فإنّ المعارف المشهدية من باب الحب قد طمى سيلها حتى غطى هذا المقام الأحمى على رفعته عن هذا المقيم فيه ، وأفناه عن مشاهدة نفسه بهذا المشهد فكنّى عنه بالغرق والموت .
قد أسلمه الحبّ للحادثات * بهذا المكان بغير شفيق
يقول : قد أسلمه مقام الصفاء للحادثات ، فإن البلاء إنما يريد على الأمثل فالأمثل ، وقوله : بهذا المقام ، يعني المقام الذي تقدم ذكره ، وقوله : بغير شفيق ، أي ما له مؤنس هناك إلا عارف مبتل مثله فشغله بنفسه لسروره بذلك ، أو صبره يحول بينه وبين رؤية غيره بحكم الشفقة أو شبهها . ثم قال :

[ كلامه عن أهل السلوك وتصويره لما يلقونه فيه ]

فيا واردين مياه القليب * ويا ساكنين بوادي العقيق « 1 »
ويا طالبا طيبة زائرا * ويا سالكين بهذا الطريق
يقول : يا أهل الحياة المنشأة من الأعمال ، يريد حياة العلم من قوله تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
[ الأنعام : 122 ] ، وقال :
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
[ الأنبياء : 30 ] وجعله مكتسبا من أجل أنه نسبه للقليب وهو البئر ، وللإنسان فيه تعمل وهو حفره لاستخراج الماء . ثم خاطب القطان بوادي العقيق ، وهم الذين اكتسبوا العلم من الحرمة التي قامت للحق بقلوبهم ، وأشار إلى الوادي لأمرين : لانخفاضه يريد التواضع ، ولأنه مسيل الماء فهو مسيل الحياة العلمية ، وإنما قلنا : لا ميقات المحرمين بالحج والعمرة ، ثم خاطب طلاب المقامات اليثربية باسم طيبة من طاب يطيب ، وقوله : « طوبى لهم » هو من ذلك . وقوله : زائرا ، أي مائلا إليها لعلمه بشرفها على غيرها لأنه الميراث الأكمل . ثم خاطب السالكين وهم أهل السلوك بهذا الطريق ، يريد الصراط المستقيم الذي قال فيه تعالى :
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ
[ الأنعام : 153 ] فخاطب أربعة أصناف من الخلق ، لأرفع مقامات فقال لهم :
أفيقوا علينا ، فإنا رزئنا * بعيد السّحير قبيل الشّروق
يقول : لا تشغلكم أحوالكم التي أضعفتكم وأفنتكم عن أن تفيقوا للنظر من حالنا ، لتعلقنا بكم وطلبنا المعونة على ما نحن بصدده بهمتكم ودعائكم وقوله : فإنا رزئنا ، من الرزية ، يقول : أخذنا عنا ولم نصل إليه وصول من حصل بيده المكانة لعزته ، وقوله :
هامش
( 1 ) القليب : البئر قبل أن تبنى بالحجارة ونحوها ( يذكر ويؤنث ) ( ج ) قلب .