فأنخ بها لا يرهبنّك أسدها * فالاشتياق « 1 » يريكها أشبالا
يقول : « حبك الشيء يعمي ويصم » « 2 » فلا تقع عينك على ما تخاف منه مما يحول الخوف بينك وبين مطلوبك ، ويصم عن سماع ما يتخوف به كل طالب في طريق مطلوبه يقول له : إن كنت صادقا في حبك فلا يرهبنك ما ترى من الشدائد التي كنّى عنها بالأسد ، فإنّ الصدق في الشوق إلى ذلك يردها في عينك بمنزلة الأشبال الذين هم صغار الأسد الذين هم لا يخاف منهم ، أي يهون عليك الشدائد والأمور الصعاب ما تجده من الشوق إليهم .
[ بيانه لمناسبة الإنسان لكل شيء في العالم ]
وقال رضي اللّه عنه :
يا طللا عند الأثيل دارسا * لاعبت فيه خرّدا أوانسا « 3 »
كنا قد نزعنا في شرح هذه القطعة وغيرها منازع مختلفة في مواضع شتى على حسب ما يعطيه السماع « 4 » في وارد الوقت ، فالآن أيضا أقول فيها : إنّ السماع أعطى في قوله : يا طللا عند الأثيل ، الطّلل ما بقي من أثر الديار بعد خلوّها عن ساكنيها ، واعلم أنّ الإنسان فيه مناسب من كل شيء في العالم ، فيضاف كل مناسب إلى مناسبه بأظهر وجوهه وتخصصه الحال والوقت والسماع بمناسب ما دون غيره من المناسب إذا كان له مناسبات كثيرة لوجوه كثيرة يطلبها بذاته فأقول : إنّ الأثيل تصغير الأثل ، وهو الأصل ، والطّلل أثر طبيعي وهو ما بقي فيه من أثره الطبيعي ، فالأثيل هنا الطبيعة التي هي الأصل ، وقوله : دارسا ، يريد متغيرا بما يرد عليه من الأحوال ، فيتغير من حالة إلى حالة ، وإذا تغير إلى حالة ما فقد ذهب أثره من الحالة التي انتقل عنها حتى أعقبها غيرها ، وقوله :
لاعبت فيه خردا أوانسا
أراد بالخرد الحكم الإلهية التي يأنس بأنس الاطلاع عليها قلب العارف ، فهو يتذكر حالته التي كان عليها عند فنائه عن عالم الفناء والدثور ، وقوله : لاعبت فيه ، الضمير يعود على الطلل ، فإنه ما شاهد شيئا إلّا فيه وسببه ، فإنه بالأصل متولد عنه ، فإنه بعد التسوية الطبيعية لم يحصل فيه هذا السر الروحاني الرباني على صورة المزاج وطبع التأليف ساذجا « 5 » لا علم له ، ثم إنه بواسطة ما أودع اللّه في هذا الهيكل من
هامش
( 1 ) في نسخة أخرى : الاشتياق .
( 2 ) أخرجه أبو داود ( أدب 116 ) ، وأحمد بن حنبل 5 ، 194 ، 6 ، 45 .
( 3 ) الخريدة من النساء : البكر والخفرة الحيية الطويلة السكوت المستترة .
( 4 ) انظر الرسالة القشيرية ص 335 - 350 .
( 5 ) الساذج : ما لا نقش فيه ، والذي على لون واحد لا يخالطه غيره .