يعط الصّبر على ذلك أدّاه هذا الفراق إلى إظهار ما كان يخفيه من رقّة الشوق والهوى ، كما اتفق لأبي يزيد لما قال له الحق : أخرج إلى خلقي بصفتي ، فعندما خطا خطوة وقام الحجاب صعق ، فإذا النداء ردوا عليّ حبيبي فلا صبر له عني ، والغراب هذا السبب الموجب للفراق ، والصياح من الفهوانية بمنزلة كن .
وصلوا السّرى قطعوا البرى فلعيسهم * تحت المحامل رنّة وأنين « 1 »
لما كان المقصود لا يتحيز ولا يتقيد بالجهات كان الرجوع منه سيرا إليه أيضا ، فلهذا قال : وصلوا السّرى ، أي رجوعهم منه إسراء أيضا إليه كما ورد في الخبر عن التقاء الأربعة الأملاك من الأربع الجهات ، كل واحد يقول بأنه ورد من الحق مع قوله :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
[ الحديد : 4 ] والإسراء والتنقل إنما هو اسم إلهي إلى اسم إلهي ، كما قال تعالى :
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً
( 85 ) [ مريم : 85 ] والملتقى إنما هو مع الاسم الشديد البطش السريع الحساب القوي ؛ فلهذا كان حشره إلى الرحمن محل الأمن مما يتقى به ، ويحذر بالرحمة التي وسعت كل شيء ، وقوله : قطعوا البرى ، لقوة سيرهم ، والبرة الحلقة التي تكون في أنف البعير تكون فيها خرمة يقاد بها ، فيقال :
لقوة الجذب للسير تنقصم البرى أو تخرم الأنف ، والتي تكون منها السير في هذا الباب إنما هي مراكب الأعمال ، والبرة : العروة الوثقى التي لا انفصام لها ، فهي تخرم الأنوف ولا تنفصم ، وأما نعته بأن لها تحت المحامل ، وهي مانحة من تكليفات المجاهدات والأعمال الشاقة ، رنّة وأنين يريد صوت الزفير ، وحنين القلوب ، والأزيز المسموع من صدورهم عند التلاوة والذكر ، كما قال تعالى :
لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
[ الحشر : 21 ] فوصفها بأنها تضعف عن حمل هذه الأغيار الواردات ، فإنّ الأنين لا يكون إلّا مع الضعف ، والرنّة النغمة وكأنها مطابقة لقول المنادي أو الحادي « 2 » من السامع .
عاينت أسباب المنيّة عندما * أرخوا أزمتها وشدّ وضين « 3 »
يقول : لما دعيت إلى الرجوع إلى عالم الكون بعد أنسي بتلك العين المقدسة ، والشهود الأقدس الأحدي وجدت من الألم على قرب من التشبيه مثل ما يجده المتعشق عند نزول الموت ومفارقة المألوفات التي كان يتأنس بها فلم يجد أعظم رزية « 4 » يشبهها
هامش
( 1 ) السّرى : السير بالليل .
( 2 ) الحادي : الذي يسوق الإبل بالحداء .
( 3 ) الوضين : للهودج بمنزلة البطان للقتب ، والتصدير للرحل ، والحزام للسرج ، وهما كالنسع إلا أنهما من السيور إذا نسج نساجة بعضها على بعض ، والجمع وضن .
وقيل : الوضين : بطان منسوج بعضه على بعض يشد به الرّحل على البعير ، ( لسان العرب 13 / 450 مادة وضن ) .
( 4 ) الرزية : المصيبة ( ج ) رزايا .