قالوا لي : صبرا على ما نالك إلى أن يصل وقتك ، فقال لهم : إنّ الأسى غير صابر .
يقول : إنّ الحزن لو صبر عني ولا نزل بي صبرت فهو لا يصبر فكيف أصبر عنكم وصبري عني بمعزل وليس لي حيلة في تحصيله فإني تحت حكم سلطان الوجد ، ثم إنه لو حلّ بي صبر ، وكان الصبر يحكم عليّ لما صبرت ، فإنّ الشوق إلى الحضرة الإلهية ذاتي المعارف والصبر عرضي وأنى يقاوم العرضي الذاتي فما كنت أصبر ، فكيف والأمر على هذا الحد من كون الصّبر عني بمعزل فكيف وليس لي صبر فلا ملام على من هذه حالته .
[ تمثيله للتجليات والواردات الإلهية ]
وقال رضي اللّه عنه :
طلع البدر في دجى الشّعر * وسقى الورد نرجس الحور
غادة تاهت الحسان بها * وزها نورها على القمر
شبه التجلي بالبدر كما ورد في الخبر ، وشبه الغيب بالدّجى ، والشعر من الشعور وهو العلم الخفي ، فكأنه يقول : ظهر الجليّ في الخفيّ كظهور الخفيّ في الجليّ ، كما تقول : وجود الحق في الخلق وجود الخلق في الحق ، وسقى الورد يعني حمرة الخد نرجس الحور ، يريد العين بما ترسله من الدموع فيقع على حمرة الخدود فيكون كالروضة سقتها السماء ، والعرب تشبه العيون بالنرجس الأبيض الذي في وسطه صفرة ، فكأنه يقول : وسقى المشهد الذاتي أو الاسم الجامع روضة الأسماء الإلهية فإنها ناظرة إليه ، وهو مهيمن عليها ، وقوله : غادة يعني الصفة الجامعة التي وصفها بالبدر ، وقوله :
تاهت الحسان بها ، يعني توابعها من الأسماء وزها نورها ، يعني وتكبر نورها على نور القمر ، وإنما أوقع التشبيه بالقمر للتقريب على الأفهام لا من جانب التحقيق ، ثم قال :
هي أسنى من المهاة سنا * صورة لا تقاس بالصّور
فلك النّور دون أخمصها * تاجها خارج من الأكر
يقول : وهي أعظم نورا من الشمس ولو وقع التشبيه بها ، وقوله : صورة لا تقاس بالصور يريد معنى قوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] على زيادة الكاف ، وجاء بلفظ الصورة لورود الأخبار في ذلك فكيف فيما أشرنا إليه من هذه المعرفة الذاتية التي تحصل للعبد من حيث المشاهدة في الكشف وقوله : فلك النور دون أخمصها ، البيت بكماله من أراد معناه يعرف معنى قوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
( 5 ) [ طه : 5 ] والحديث المروي : « أين كان اللّه قبل أن يخلق العرش ؟ قال : كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء » « 1 » فأقرب شيء من المعاني لهذا البيت معنى هذه الآية والخبر ، ثم قال :
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .