وأما الشيطان إذا دعاك إلى زلة ، فخالفته بترك ذلك ، يوسوس بزلة أخرى ، لأن جميع المخالفات له سواء ، وإنما يريد أن يكون داعيا أبدا إلى زلة ما ، ولا غرض له في تخصيص واحد دون واحد .
وقد قيل : كل خاطر يكون من المسلك ، فربما يوافقه صاحبه ، وربما يخالفه .
فأما خاطر يكون من الحق سبحانه ، فلا يحصل خلاف من العبد له .
وتكلم الشيوخ في الخاطر الثاني ، إذا كان الخاطران من الحق سبحانه ، هل هو أقوى من الأول ؟
فقال الجنيد : الخاطر الأول أقوى ، لأنه إذا بقي رجع صاحبه إلى التأمل ، وهذا بشرط العلم ، فترك الأول يضعف الثاني .
وقال ابن عطاء اللّه : الثاني أقوى ، لأنه ازداد قوة بالأول .
وقال أبو عبد اللّه بن خفيف رضي اللّه عنه : هما سواء ، لأن كليهما من الحق ، فلا مزية لأحدهما على الآخر .
والأول لا يبقى في حال وجود الثاني ، لأن الآثار لا يجوز عليها البقاء .
وعلى هذا حمل قوله صلى اللّه عليه وسلّم : رأيت ربي ليلة المعراج في أحسن صورة أي أحسن صورة رأيتها تلك الليلة لم تشغلني عن رؤيته تعالى ، بل رأيت المصور في الصورة ، والمنشئ في الإنشاء ، ويريد بذلك رؤية العلم ، لا إدراك البصر .
تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 17
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٧