مردود إلى الإنسانية . هو كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كل شيء لا بمقارنة ، وغير كل شيء لا بمزايلة ، واحد لا بتأويل عدد ، قيّوم لا وراءه أمد ، ما وجد اللّه غير الله ، وما عرفه سواه . التوحيد للحق ، والإقرار للخلق . ما وحّده من كيّفه ، ولا أصاب من شبهه . منزه عن خواطر المشبهين ، ومقدس عن إشارة الملحدين . لا يدركه الشواهد ، ولا يحويه المشاهد ، به يعرف الآيات ، وعند كشف وجوده احترقت الرسومات ، معروف في القلوب من غير رؤية الأبصار ، ومكشوف في الغيوب من غير إحاطة الأسرار . انحسرت الأوصاف عن كنه معرفته . واضمحلت العقول عندما بدأ من عظمته . المعارف قطرات إلهامه أودعها أصداف الأرواح .
والعقول صفائح نوره نشرها في صدور الأشباح ، العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب ، موصوف بالعلم الأزليّ قبل المعلومات ، ليس هو بمستفاد ولا من الازدياد ، ادراكه ليس بالأبصار ولا علمه بالأخبار ،
هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
[ طه : 98 ] .
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً
( 111 ) [ طه : 111 ] ، قدرته في الأشياء بلا مزاج ، وصنعته للأشياء بلا علاج .
أبكى عيون السحاب على الصحارى والقفار . وانبت من دموعها ألوان البهار « 1 » والأزهار . ألبس الشواهد أنوار جمال حضرته ، وزيّن الكون بسناء جمال قدرته .
جعل قلوب أوليائه أوعية المعارف ، وضع فيها اللآلي الكواشف ، المتجلي بخلقه لخلقه ، والظاهر في قلوبهم بكشف نور معرفته . كل شيء خاضع لعظمته ، والموجودات قائمة بقدرته . خالق العباد ، وساطع مهاد العالم بمساقط الأرزاق ، وخفي طرق الإحراق .
فاعل لا بمعنى الحركات ، وبصير قبل المبصرات . وسميع قبل المسموعات ، ومتكلم بكلمات التامات . لا يوصف صفات وجوده بصفات المخلوقات ، حي لا بهمهمة الأنفاس . قيوم لا يوصف بالقياس بمقامات الكائنات . وبإرادته تكوّن جميع الحركات . الظاهر لعجائب صنعه للناظرين ، الباطن بجلال عزّته عن فكر المتوهمين .
له الأسماء الحسنى . والنعوت العليا ، والجلال الأسمى ، والثناء الأسنا ، ذو الفضل العميم ، والكرم القديم . بتجليه حسنت المستحسنات . وباستتاره قبحت المستقبحات . قدمه قدمه ، ومنيته قهره ولطفه ، وإصبعه نفاذ قدرته ووجهه بقاؤه ،
هامش
( 1 ) البهار : نبت طيب الريح . قال ابن بري : هو النرجس البري ( لسان العرب ) .