ظهر له ذلك ، ولم يطق حمله ومات لأنه كان من ضعفاء المريدين » ، فعلمت من هذه الحكاية أنّ حجاب الرفيع غاية درجة المريد .
قال اللّه سبحانه :
كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
( 18 ) [ المطففين : 18 ] وصفهم بكمال الدرجات حيث علوا على أهل الجنة بأسرها . ثم قال في وصف مشاربهم ومنازلهم فيها ، فقال :
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ( 25 ) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ
( 26 ) [ المطففين : 25 - 26 ] فذلك الشراب أفضل شراب أهل الجنة ، والأبرار مخصوصون به من بين أهل الجنة . ثم وصف مزاج شرابهم بقوله :
وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ( 27 ) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ
( 28 ) [ المطففين : 27 - 28 ] . بيّن أنّ شراب الأبرار وإن كان شريفا فهو دون شراب المقرّبين لأنّ
إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً
( 5 ) [ الإنسان : 5 ] وشراب المقرّبين من تسنيم ، وهو أرفع شراب أهل الفردوس الأعلى . ثم إنّ شراب المقربين في جنب شراب المرسلين وضيع . وشرابهم من كؤس المداناة وقهوات المواصلات وعقار المشاهدات .
* وافهم أن هذه العصابة المباركة على منازل شتّى
: بعضهم مجذوبون ، وبعضهم سابقون ، وبعضهم صدّيقون ، وبعضهم محبّون ، وبعضهم مشتاقون ، وبعضهم عاشقون ، وبعضهم عارفون ، وبعضهم شاهدون ، وبعضهم مقرّبون ، وبعضهم موحّدون ، وبعضهم واصلون ، وبعضهم النقباء ، وبعضهم الأصفياء ، وبعضهم الأوّلياء ، وبعضهم النجباء ، وبعضهم المصطفون ، وبعضهم الخلفاء ، وبعضهم البدلاء ، وبعضهم الأقطاب . ولكلّ قوم من هؤلاء درجات في المعارف ، والكواشف ، والتوحيد ، والتفريد ، والخطاب ، والمناجاة ، والمسامرة ، والمعرفة ، والعربدة ، والسكر ، والصحو ، والمحو ، والفناء ، والبقاء .
فإذا وصلوا إلى أعلى درجاتهم واستقاموا في مقامهم ، هجمت بهم سطوات الأحوال ، ولم يروغوا « 1 » عن محجة المعرفة إلى حلاوة الوصل . علموا علل الامتحان في جناب الرحمن ، ولم يلتفتوا إلى ما وجدوا من الحقّ سبحانه لأن الالتفات إلى المقام عين الحجاب ، ألا ترى كيف وصف اللّه تعالى حبيبه - عليه السلام - بتجريد سرّه عمّا ذكرنا فوق الكونين بين « قاب قوسين » بقوله :
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
( 17 ) [ النجم : 17 ]
هامش
( 1 ) راغ الرجل والثعلب روغا وروغانا مال وحاد عن الشيء .