* وافهم أنّ صدره - صلى اللّه عليه وسلم - موضع الشرح ، وقلبه موضع الوحي
، وعقله موضع العلم ، وفؤاده موضع الرؤية ، وروحه موضع الوقت ، وسرّه موضع المعرفة ، وسرّ سرّه موضع التوحيد وقال اللّه تعالى :
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
( 1 ) [ الشرح : 1 ] فالشرح نور النبوّة ، والوحي نور الرسالة ، والرؤية كشف المشاهدة ، والعلم ظهور الحقيقة ، والمعرفة بروز أنوار الصفات ، والتوحيد معاينة الذات بوصف القدس ، فما خصّ من هذه المواضع بالإغانة إلا القلب ، فإنّه موضع الإغانة . قال - صلى اللّه عليه وسلم - « إنّه ليغان على قلبي » « 1 » لأنّ ذلك المواضع فيه - عليه السلام - تقدست عن غبار الامتحان . ويقف قلبه قد ورد عليه عساكر الامتحان . وهي سطوات بحار الذات والصفات بوصف النكرات والمعارف حين غلب قهر سلطانها على قلبه . فيغرق قلبه في قلزم « 2 » الآزال والآباد . فإذا تحير بين جلال بحر القدرة والإرادة والمشيئة ولم ير مخرجا من قعرها إلى ساحل الحدثان ، ولم يبق عليه قوة موازات صدمات العظمة والكبرياء وغلب على قلبه غشيان غاشي النكرات ، قال : « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » « 3 » ، وذلك من غين النكرة في رؤية الوحدة . فنسي الحقّ في الحقّ . كذلك قال اللّه تعالى :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
[ الكهف : 24 ] ، فذلك النسيان فناء الإنسانية ببقاء الوحدانيّة . فتقلب قلبه في خلال أصبع القادرية . كان إغانة قلبه لأنه كان سرّه إذا وجد شيئا من عالم الصفات ، لم يتعاهد ذلك ، صار سرّه غريبا فيه . فاختلطت عليه أسرار الإرادة والمشيئة ورؤية عرائس نعوت الجلاليات والجماليات . فدهش وهام في أودية الوحدانية والأوليّة حتى بلغ إلى حدّ الفناء في اللّه عن الله . فلما أفاق قال : « إنّه ليغان على قلبي » « 4 » ، ثم لما تفقد نفسه بعد الإفاقة ، علم أن الحدث لا يليق بالقدم . فأدى حقّ التنزيه بقوله - عليه السلام - : « ليت ربّ محمّد لم يخلق محمّدا » « 5 » لمحلّ الإغانةو هذه الإغانة
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
( 2 ) القلزمة : ابتلاع الشيء ، وبه سمي البحر قلزما . ( المحيط في اللغة للصاحب بن عباد ) .
( 3 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب الدعاء . . ، حديث رقم ( 1926 ) [ 2 / 706 ] ورواه ابن ماجة في سننه ، باب دعاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حديث رقم ( 3834 ) [ 2 / 1260 ] ورواه غيرهما .
( 4 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
( 5 ) أورده ملا علي القاري في - مرقاة المفاتيح ، باب البكاء والخوف [ 9 / 196 ] وأورده البروسوي في تفسيره روح البيان ، سورة العنكبوت ، آية 23 .