القطب الثاني في معرفة الصفات
[ القدرة ]
وافهم أنّ خالق الخلق وصانع العالم قادر ، وقد وصف نفسه بالقدرة القائمة الأزليّة كما قال :
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ المائدة : 120 ] . وترى العالم محكما مصنوعا مزيّنا ، ولا يتأتى هذه المخترعات البسطة الكاملة الجامعة إلا من مصادر قدرة حكيم قادر ذي العزّة المتبين قدرته قائمة بذاته القديم ، وهي صفة ذاتيّة أزليّة . وكما لو ترى نسجا منقّشا مصورا مطرزا تعلم أن ذلك لا يكون إلا من نسّاج كامل القدرة في نسجه ، فكذلك تعلم عقلا بأنّ مصنوعات العالم لا تكون إلا من صانع صنعه بلا علّة . ومن لا يعرف ذلك فهو جاهل جاف مختل العقل لأن من كان له عقل يعرف أن العالم لا يكون بطبعه ، وهذه المصنوعات المركبة لا تتأتى إلا من كامل القدرة ، وهو اللّه تعالى - عزّ سلطانه .
من صفاته العلم
، وهو عالم بجميع المعلومات محيط بكلّ الموجودات ، لا تغيب عنه ذرّات الحدثان من العرش إلى الثرى ، كما قال اللّه تعالى - جلّ جلاله - في كتابه المبين وفرقانه القديم :
لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
[ سبأ : 3 ] . وقال :
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ المائدة : 120 ] وقال :
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ الأنعام : 101 ] . وشاهد وجود علم اللّه - تعالى وتقدّس - في نفسه صنائع الكاملة المزيّنة والمرتبة المصورة التي هي مرشدة إلى لطائف علمه وغرائب فعله في جميع المخلوقات . كما قال تعالى - جلّ جلاله - في كلامه المجيد :
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
[ الملك : 14 ] . ومن لطيف صنعه وعلمه هذا الترتيب العجيب والترصيف الغريب .
ومن صفاته الحياة
، وهو حيّ لا يموت لأنّ حياته أزليّة ، والأزليّة غير منقطعة أبدا ، وهي قائمة بذاته وهو حيّ بحياته . وإذا ثبت بالبيان الشافي علمه وقدرته ثبت بالضرورة حياته . فكيف يتصور قادر عالم خالق فاعل من غير أن يكون حيّا ؟ وهذه الصفات لا تكون إلا وصف حيّ . فحياته تظهر في فعله لأن الأفعال لا تتأتى من ميّت ،
واللّه تعالى مريد لأفعاله
، وجميع الموجودات مستندة بالحقيقة إلى مشيئته