الروح ولطافتها واستشرافها بعد خروجها عن الغشاوة الطبيعية الهوائية على عوالم لا نهاية لعجائبها وبحار لا قيمة لجواهرها وأدركت مطالب المقصود بعد استيعابها بحقيقة البيان في طلب المراد . والمريد يكون بعد ذلك متحركا بلا واسطة إلى مصدر الأفعال والصفات بلاء بطبعها لا بسبب ما . ولا يعرفها عوائق الرسوم في طريقها إلى حيزها الأصلي ، لذلك قال تعالى :
ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
( 28 ) [ الفجر : 28 ] ثم تكون منجذبة بمغناطيس أسرار القدم إلى حواشي عيون الكرم بعد أن صارت أهلا لها ، ألا ترى كيف انجذبت خلة الخليل إلى معدنها حين قال :
إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ
[ الصّافات : 99 ] .
الفصل الثاني عشر : في التهذيب
التهذيب تبديل الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة التي هي أصل مادة الفطرة العالية القابلة لتجلي الصفات التي هو خلق القدم ، لذلك قال عليه السلام :
« تخلّقوا بأخلاق الرحمن » « 1 » ، ووصفه الحق تعالى بأحسن الثناء وقال :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
( 4 ) [ القلم : 4 ] خلقه القرآن ، وأشار إليه الرحمن وإلى ما اتصف بنور الحق وصفاته وذلك حين شرح اللّه صدره تحت حضيض الأبطح ، وغسل قلبه عن مزج الطبيعة بمياه بحار المشاهدة ، وأخرج من قلبه سيلان الإنساني بأنوار الرحماني ثم قال :
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
( 1 ) [ الشّرح : 1 ] ، قال العارف : أعظم مقام السالك في طريق المعرفة تهذيب أخلاقه عما التصق بها من النفس الأمّارة والشيطان وهما مفسدان الفطرة السليمة برذال الطبيعة الهوائية ، ولولا هما لما تغيرت ملك الصفة الخالصة عن أصل ما صدرت عنه وبيان ذلك مشروح في قوله عليه السلام : « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه » « 2 » .
الفصل الثالث عشر : في تصفية القوت
وهي أصل المتابعة وأن اللّه تعالى وضع الصفاء في أكل الحلال ولباس الحلال ووضع القهر والقساوة والجفاء في الحرام والشبهات ، وتولد تلك الأشياء لا يعرفها إلا
هامش
( 1 ) أورده المناوي في التعاريف ، فصل اللام ، [ 1 / 564 ] والجرجاني في التعريفات ، تعريف رقم ( 1099 ) [ 1 / 216 ] .
( 2 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب ما قيل في أولاد المشركين ، حديث رقم ( 1319 ) [ 1 / 465 ] ورواه في أبواب أخرى ، ورواه مسلم في صحيحه باب معنى كل مولود يولد على الفطرة . . ، حديث رقم ( 2658 ) [ 4 / 2047 ] ورواه غيرهما .