والأصوات احتجب في أوائل أحواله عن معنى الألوهية في اللّه . قال الحصري :
يقولون اللّه وأنا أقول اللّه بغير قولكم اللّه ، واللّه منزّه عن قولنا اللّه .
الفصل الحادي عشر : في مقام اسم عين الجمع
أسماء اللّه بعضها نعت الفردانية وبعضها وصف الصفة وبعضها أسماء الأفعال ، فما يكون منها اسم عين الجمع هو الرحمن ، وذلك فيه وصف ذات القديم وصفة الأزلية وفعل الرحمة وهو تعالى منفرد به لا الغير ، كما هو موصوف باللّه وهما للّه خاصة لا يوصف بهما أحد من خلقه ، والعارف الشاهد إذا بلغ مشاهدة الذات في الصفات ومشاهدة الصفة في الفعل فقد بلغ مقام الالتباس ومقام المعرفة ومقام التوحيد ، وإذا كان كذلك فقد بلغ عين الجمع ويرى الحق في جميع الأشياء ، وذلك مقام العشق ، ورآه بوصف تجلي الصفة وذلك مقام المعرفة ، ورآه بوصف الفردانية وذلك مقام التوحيد ، لأجل ذلك قال اللّه تعالى لصفيه صلى اللّه عليه وسلّم :
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
[ الإسراء : 110 ] لأن بهما ينعقد عقد التوحيد بجميعه العين والصفة والفعل فيهما ، سمعت أن الحسين بن منصور [ الحلاج ] قدس اللّه روحه لما أرادوا قتله عرض عليه مكتوب فيه : من الرحمن الرحيم إلى فلان ، فقالوا : ادعيت الربوبية بهذا ، فقال :
لا هو عين الجمع لا يعرفه إلا الصوفية ، قال العارف قدّس اللّه روحه : الشاهد لم يبلغ درجة الشهود حتى بلغ مشاهدة عين الجمع .
الفصل الثاني عشر : في الملك
إذا تجلّى الحق سبحانه لقلب شاهده من نور اسمه الذي هو موصوف به وهو المالك يبرز فورة الألوهية في قلبه فيصير متلبسا بلباس سلطنته وعلا همته عن الحدثان ، فإذا أراد أمرا من العارف يخضع له الحدثان بظهور نور الحق بنعت السلطنة منه للعالمين ، وهذا منزلة آدم عليه السلام ومن ذلك سجد له الملائكة ومن ذلك سخر لسليمان عليه السلام الجن والإنس والرياح العواصف ، قال :
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
[ ص : 35 ] ، وقال تعالى :
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ
[ آل عمران : 26 ] ، قال بعضهم : العارف يملك ولا يملك ، قال العارف قدّس اللّه روحه :
من شاهد سلطان كبريائه يتصرف في ملكه كما يشاء .