وسبحانك وتوفيقك ألا تخفى عنى كل ما طلبته منك ومنحته لي ، وما لم أطلبه منك ولم يصل فهمي إليه وخصصتني به ، وكل ما هو مخزون ومكنون في علمك وليس لأحد ( ص 32 ) علم به ولا سبيل لأحد إليه ولا يعرفه أحد ولا يدركه إلا أنت ؛ أن تحقق أربى . وعندما دعوت هذا الدعاء خرجت ثانية وعدت إلى المنزل .
كانت هذه الأمكنة المذكورة كلها أماكن عبادة الشيخ ، إذ أنه كثيرا ما كان يقيم فيها عندما يكون في ميهنه . وهناك أماكن أخرى كثيرة يطول الأمر لو ذكرت ، وليس في ذكرها فائدة أكثر من هذا . ولو وفق اللّه أحدا وذهب إلى هذه الأماكن وزارها لعرف أنها كانت مقرا لعظيم الدهر وأوحد الدنيا .
ودأب الشيخ على أن يهرب من الناس ويشتغل بالعبادة والمجاهدة والرياضة وحيدا في هذه الأماكن . وكان والد الشيخ يبحث عنه دائما ويعيده إلى المنزل في لطف بعد شهر أو أكثر أو أقل ويراقبه حتى لا يهرب .
وقد حكى والد الشيخ ( هذه القصة ) فقال : عندما كنت انتهى من الصلاة كل ليلة وأعود إلى المنزل ، كنت أغلق الباب بالسلاسل وأنصت حتى ينام أبو سعيد وعندما يأوى إلى فراشه وأظن أنه استسلم للنوم أنام أنا أيضا .
وذات ليلة استيقظت من النوم في منتصف الليل ونظرت فلم أر أبا سعيد في الحجرة فقمت وبحثت عنه في المنزل فلم أجده . وذهبت إلى باب المنزل فلم أجد السلاسل في مكانها فعدت ونمت وأنا أصغى .
وعند ( ص 33 ) الفجر دخل أبو سعيد من باب الدار في هدوء وأغلق الباب بالسلاسل وارتدى ثياب النوم ونام . وجعلت أرقبه عدة ليال فكان يفعل هذا ، ولم أطلعه على هذا الأمر وتظاهرت بأنني غافل عنه ، ولكنني كنت أرقبه كل
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد — صفحة 47
مساهمون: محمد بن المنور الميهني
ص٤٧