أنفسهم تاركة للدنيا ، وأرواحهم للعقبى ، وقلوبهم مستأنسة بالذكرى ، وأسرارهم بحب المولى ، قلوبهم معدن التعظيم والهيبة ، وألسنتهم معادن الحمد والمدحة ، وأرواحهم مواطن الشوق والمحبة ، وأنفسهم مقهورة تحت سلطان العقل والفطنة .
أكثر همتهم التفكير والعبرة ، وأكثر كلامهم الثناء والمدحة ، عملهم الطاعة والخدمة ، ونظرهم إلى لطائف صنع ربّ العزة .
أحدهم تراه مصفرا من خوف فراقه ، ذائب الأطراف من هيبة جلاله ، طويل الانتظار شوقا إلى لقائه ، سلك طريق المصطفى ، ورمى الدنيا خلف القفا ، وأذاق الهوى طعم الجفا ، وقام على قدم صدق الوفا .
حال الحبيب مع سيده :
حاله في الدنيا غريب ، وقلبه في صدره غريب ، وسره في نفسه غريب ، فلا يستريح من غم الغربة ووحشتها ، ما لم يصل إلى الحبيب ، فأمره عجيب ، والمولى له طبيب ؛ كلامه وجداني ، وقلبه فرداني ، وعقله رباني ، وهمّه صمداني ، وعيشه روحاني ، وعمله نوراني ، وحديثه سماوي .
جعل اللّه قلبه موضع سره ، وموطن نظره ، وزيّنه بحليّ ربوبيته ، وأدخله دار الإمارة من سلطانه ، يدور بالفؤاد حول عزته ، ويرتفع في روضات قدسه ، ويطير بجناح المعرفة في سرادقات غيبه ، ويجول في ميادين قدرته ، وحجب جبروته ، لو رآه الجاهل بشأنه مات فزعا بعد معرفته له من ساعته ، علامته في الدنيا أن يكون البلاء عنده عسلا ، والأحزان رطبا ، وفي الآخرة كل واحد يقول : نفسي ، نفسي ! وهو يقول : ربي ، ربي ، مرادي ، مرادي .
من علامات العارف :
العارف علامته أربعة : حبه الجليل ، وتركه الكثير والقليل ، واتباعه التنزيل ، وخوفه من التحويل .
العابد ذو نصب ، والخائف ذو هرب ، والمحب ذو شغب ، والعارف ذو طرب « 1 » .
* * *
هامش
( 1 ) انظر : مجمع الزوائد للهيثمي ( 1 / 52 ) ، وتفسير ابن كثير ( 4 / 211 ) ، وجامع العلوم والحكم لابن رجب ( 1 / 29 ) ، وفيض القدير للمناوي ( 3 / 178 ) .