قلت : هذا من جهة الرب تبارك وتعالى .
فالأولتان : العبادة ، والاستعانة . والآخرتان : الطاعة ، والمعصية .
فالذهاب إلى اللّه : هي عبادته وحده ، كما قال تعالى : « من تقرب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا ، ومن تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت إليه باعا ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة » .
والتقرب بحوله : هو الاستعانة والتوكل عليه ، فإنه لا حول ولا قوة إلا باللّه .
وفي الأثر : « من سره أن يكون أقوى الناس ، فليتوكل على اللّه » .
وعن سعيد بن جبير : التوكل جماع الإيمان .
وقال تعالى :
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
[ الطلاق : 3 ] . وقال :
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ
[ الأنفال : 9 ] .
وهذا على أصحّ القولين في أنّ التوكل عليه بمنزلة الدعاء ، على أصح القولين أيضا ، سبب لجلب المنافع ودفع المضار ، فإنه يفيد قوة العبد وتصريف الكون ، وهذا هو الغالب على ذوي الأحوال متشرعهم وغير متشرعهم ، وبه يتصرفون ويؤثرون تارة بما يوافق الأمر ، وتارة بما يخالفه .
وقوله : « ومن اتبع مرادنا » . يعني : المراد الشرعي ، كقوله :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
[ البقرة : 185 ] . وقوله :
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ
[ النساء : 28 ] .
وقوله :
ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ
[ المائدة : 6 ] . هذا هو طاعة أمره .
وقد جاء في الحديث : « وأنت يا عمر ، لو أطعت اللّه لأطاعك » .
وفي الحديث الصحيح : « ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه » .
وقد قال تعالى :
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
[ الشورى : 26 ] .
وقوله : « ومن ترك من أجلنا أعطيناه فوق المزيد » . يعني : ترك ما كره اللّه من المحرم والمكروه لأجل اللّه ، رجاء ومحبّة ، وخشية ، أعطيناه فوق المزيد ؛ لأن هذا مقام الصبر .
وقد قال تعالى :
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ الزمر : 10 ] .