فيديم اللّه عزّ وجلّ ذلك لعبده المؤمن المجذوب برهة من الزّمان ، حتّى اطمأنّ العبد إلى ذلك واغترّ به واعتقد دوامه فتح عليه أبواب البلايا وأنواع المحن في النّفس والمال والأهل والولد والقلب ، فينقطع عنه جميع ما كان أنعم اللّه عليه من قبل ، فيبقى متحيّرا حسيرا منكسرا مقطوعا به . إن نظر إلى ظاهره رأى ما يسوؤه ، وإن نظر إلى قلبه وباطنه رأى ما يحزنه ، وإن سأل اللّه تعالى كشف ما به من الضّرّ لم ير إجابته ، وإن طلب وعدا جميلا لم يجده سريعا ، وإن وعد بشيء لم يعثر على الوفاء به ، وإن رأى رؤيا لم يظفر بتعبيرها وتصديقها ، وإن رام الرّجوع إلى الخلق لم يجد إلى ذلك سبيلا ، وإن ظهرت له ( في ) ذلك رخصة فعمل بها تسارعت العقوبات نحوه وتسلّطت أيدي الخلق على جسمه وألسنتهم على عرضه ، وإن طلب إقالة ممّا قد أدخل فيه من الحالة الأولى قبل الاجتباء لم يقل ، وإن طلب الرّضا أو الطّيبة والنّعيم بما به من البلاء لم يعط .
فحينئذ تأخذ النّفس في الذّوبان ، والهوى في الزّوال ، والإرادة والأماني في الرّحيل ، والأكوان في التّلاشي ، فيدام له ذلك بل يزداد تشديدا وعسرا « 1 » وتأكيدا ، حتّى إذا فني العبد من الأخلاق الإنسانيّة والصّفات البشريّة وبقي روحا فقط يسمع نداء في باطنه :
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ
[ ص : 42 ] كما قيل لسيّدنا أيّوب عليه السلام ، فيمطر اللّه عزّ وجلّ في قلبه بحار رحمته ورأفته ولطفه ومنّته ، ويحييه بروحه ويطيّبه بمعرفته ودقائق علومه ، ويفتح عليه أبواب رحمته ونعمته ودلاله « 2 » ، وأطلق إليه الأيدي بالبذل والعطاء والخدمة في سائر الأحوال ، والألسن بالحمد والثّناء ، والذّكر الطّيّب في جميع المحالّ ، والأرجل بالتّرحال ، وذلّل له وسخّر له الملوك والأرباب ، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة ، تربية ظاهره بخلقه « 3 » ونعمه ، ويستأثر تربية باطنه بلطفه وكرمه ، وأدام له ذلك إلى اللّقاء ، ثمّ يدخله فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، كما قال جلّ وعلا :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ السجدة : 17 ] .
هامش
( 1 ) في المطبوع : ( وعصرا ) .
( 2 ) في نسخة : ( وآلائه ) . وفي نسخة : ( ولاله ) .
( 3 ) تحرف في نسخة إلى : ( بخلقه ) .