أما دنيا : فقوله تعالى :
كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ
[ يوسف : 24 ] .
وأمّا دينا : فقوله عزّ وجلّ :
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً
[ النساء : 147 ] .
ومؤمن شاكر ما يفعل البلاء عنده وهو إلى العافية أقرب من البلاء ، لأنّه ( في محلّ المزيد أيضا ) شاكر . قال اللّه عزّ وجلّ :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
[ إبراهيم : 7 ] .
فإيمانك يطفئ لهب النّار في الآخرة الّتي هي عقوبة كلّ عاص ، فكيف لا يطفئ نار البلايا في الدّنيا ؟
اللّهمّ إلّا أن يكون العبد من المجذوبين المختارين للولاية والاصطفاء والاجتباء ، فلا بدّ من البلاء ليصفّى به من خبث الهوى ، والميل إلى الطّباع ، والرّكون إلى شهوات النّفس ولذّاتها ، والطّمأنينة إلى الخلق ، والرّضا بقربهم ، والسّكون إليهم ، والثّبوت معهم ، والفرح بهم ، فيبتلى حتّى يذوب جميع ذلك ، ويتنظّف القلب بخروج الكلّ ، ويبقى توحيد الرّبّ عزّ وجلّ ومعرفته .
وموارد الغيب من أنواع الأسرار والعلوم وأنوار القلب ؛ لأنّه بيت لا يسعه اثنان . قال اللّه عزّ وجلّ :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
[ الأحزاب : 4 ] .
وقال تعالى :
إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً
[ النمل : 34 ] .
فأخرجوا الأعزّة عن طيب المنازل ونعيم العيش .
وكانت الولاية على القلب للشّيطان والهوى والنّفس ، والجوارح متحرّكة بأمرهم من أنواع المعاصي والأباطيل والتّرّهات فزالت تلك الولاية فسكنت الجوارح ، وفرغت دار الملك الّتي هي القلب ، وتنظّفت السّاحة الّتي هي الصّدر .
فأمّا القلب فصار مسكنا « 1 » للتّوحيد والمعرفة والعلم ، وأمّا السّاحة فمهبط الموارد
هامش
( 1 ) تحرف في المطبوع إلى : ( مسكينا ) .