توفيقه ، وولي عنك وجهه الكريم ، ومقتك وقلاك ، وشغلك ببلائك دنياك وهواك ، وإرادتك ومناك .
أما تعلم أن كل ذلك مشغول عن ذلك ، وقاطعك عن عين الذي خلقك ورباك ، وخولك وأعطاك وحياك .
احذر لا يلهيك عن مولاك غيره مولاك ، وكل من سوى مولاك غيره ، فلا تؤثر عليه غيره فإنه خلقك له ، فلا تظلم نفسك فتشغل بغيره عن أمره فيدخلك النار التي وقودها الناس والحجارة فتندم ، فلا ينفعك الندم ، وتعتذر فلا تعذر ، وتستعتب فلا تعتب ، وتسترجع إلى الدنيا لتستدرك وتصلح فلا ترجع .
ارحم نفسك وأشفق عليها ، واستعمل الآلات والأدوات التي أعطيتها في طاعة مولاك من الفعل والإيمان والمعرفة والعلم .
استضىء بنورها في ظلمات الأقدار ، وتمسك بالأمر والنهي ، وسيرهما في طريق مولاك وسلم ما سواهما إلى الذي خلقك وأنشأك ، فلا تكفر بالذي خلقك من تراب ورباك ، ثم من نطفة ثم رجلا سوّاك ، ولا ترد غير أمره ، ولا تكره غير نهيه .
اقنع من الدنيا والأخرى بهذا المراد واكره فيهما هذا المكروه ، فكل ما يراد تبع لهذا المراد ، وكل مكروه تبع لهذا المكروه .
إذا كنت مع أسرة كانت الأكوان في أمرك ، وإذا كرهت نهيه فرت منك المكاره أين كنت وحللت .
قال اللّه عزّ وجلّ في بعض كتبه : « يا ابن آدم أنا اللّه لا إله إلا أنا أقول للشيء كن فيكون ، أطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون » . وقال عزّ وجلّ : « يا دنيا من خدمني فاخدميه ومن خدمك فأتعبيه » ، فإذا جاء نهيه عزّ وجلّ فكن كأنك مسترخي المفاصل ، مسكن الحواس ، مضيق الذرع ، متماوت الجسد زائل الهوى ، منطمس الوسوم ، منمحي الرسوم ، منسي الأثر مظلم القنا ، متهدم البناء ، خاوي البيت ، ساقط العرش ، لا حس ولا أثر ، فليكن سمعك كأنه أصم وعلى ذلك مخلوق وبصرك كأنه معصب أو مرمود أو مطموس ، وشفتاك كأن بهما قرحة وبثورا ، ولسانك كأن به خرسا وكلولا وأسنانك كأن بهما ضريانا وألما نشورا ، ويداك كأن بهما شللا وعن البطش قصورا ، ورجلاك كأن بهما رعدة وارتعاشا وجروحا ، وفرجك كأن به عنة وبغير ذلك الشأن مشغولا ، وبطنك كأن به امتلاء وارتواء وعن الطعام غنى ، وعقلك كأنك مجنون
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار — صفحة 76
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٧٦