أقول : يشتمل كلامه مع اختلاطه على ثلاثة مطالب : -
الأول : تكذيب البهجة في نقلها أن الشيخ قال هاته الكلمة وأن الأولياء طأطأت رؤوسها له .
الثاني : على فرض صدورها منه ، فهي من قبيل شطح الصالحين المغلوبين بالحال ، فلا يعول عليها لأنها من بقايا النفس وليس الشيخ مأمورا من اللّه بأن يقولها .
الثالث : الدليل على أنها ليست بأمر من اللّه رجوع الشيخ من الإدلال إلى التذلل عند الموت .
قلت : وسنحرر جميع ذلك إن شاء اللّه ، وإن طال الكلام مع تتبع نقولاته ، وتمييز صادقها من مختلقها ، وبيان ما أخفاه وتصويب ما حرفه ، وإظهار فساد فهمه في بعض عباراتهم ، فيتميز الحق من الباطل ، فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض واللّه الهادي إلى سواء السبيل .
المطلب الأول : تكذيبه أن الشيخ قال قدمي هذه الخ ، أقول : ثبت وصح أن الشيخ سيدي عبد القادر نفعنا اللّه به قال : قدمي هذه على رقبة كمل ولي للّه ، كما ذكره الحافظ بن حجر وسيدي أحمد زروق ، والإمام الشعراني وعالم الظاهر والباطن سيدي مصطفى البكري ، والحافظ القصار الذي هو واسطة أسانيد علماء المغرب في الصحاح الستة وغيرها ، والحافظ علي قاري ، وصاحب جامع الأصول ، والشيخ علي بن عمر المقدسي ، والشيخ مراد [ 39 / ق ] الشاذلي ، وابن الحاج المانوي وغيرهم بحيث بلغت حد التواتر وكلهم يروونها بالجزم وإذعان الأولياء لا بد منه ؛ لأنه لسان القطبية كما قاله الشريف القيلوي ، وصرح البكري بإذعان الأولياء للجيلي لما قال ذلك ، وقد تقدم ذكر لزوم إذعان الأولياء لقطب الزمان بما فيه كفاية .
المطلب الثاني : ادعاؤه أنها من قبيل الشطح وأن السهروردي نبه على ذلك .
أقول : هذا من تلبيسته ؛ لأنه أوهم أن السهروردي في العوارف نبه على أن كلمة الجيلي شطح ، ومن غباوته نقل عبارة العوارف كما تراها ، ولم يفقه المخذول أن مبحث التواضع في العوارف إنما قصد به مؤلفه تربية المريدين ، ومن كان قريبا من منزلتهم والحال التي حكاها حال المبتدئين ، كما صرح به قوله قصدا لقمع نفوس المريدين خوفا عليهم من العجب والكبر .
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار — صفحة 478
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٤٧٨