قال فجرى الدمع من مقلتيه وسقطت تلك الحمامة على الأرض وجعلت تصفق بجناحيها بين يديه إلى أن ماتت فأنشد يقول :
وردنا على الهوى منهل عذب * وحط به للسفر أشواقه الركب
فلما وردنا ماءه ألهب الظمأ * إلا من رأى ظمآن ألهبه الشرب
أكب الهوى يذكي على زناده * أيا قادحا أمسك فقد علق الحب
ولو أنني أخليت قلبي لغيركم * من الناس محبوبا لما وسع القلب
أعاتبكم لا عن ملال ولا قلى * ولكن إذا صح الهوى حسن العتب
قال : ثم مشى مستغرقا في حاله فأذن الظهر وهو بقنا وعنده الشيخ عبد الرحيم بن حجون والشيخ يوسف القلونسي وكانا مجتمعين بقنا فلما رآهما أنشد يقول هذه الأبيات :
خليلي من طول الملام دعاني * لقد جل ما بي في الهوى وكفاني
دعا الحب قلبي فاستجابت جوارحي * ونمت دموعي بالذي ترياني
فيا من بحبيبه لبست تذللا * فصرت وما إن في الورى لي ثاني
كان رقيبا منك يرعى خواطري * وآخر يرعى ناظري ولساني
أسرّ وأخفي ما بقلبي من الهوى * على كل حال في يديك عناني
وأنت على الحالات لا شك ناظر * على القرب والبعد البعيد تراني
قال : فكان الشيخ ينشد والشيخان يبكيان فلما فرغ أنشد الشيخ عبد الرحيم :
ما إن ذكرتك إلا الهمّ يقلقني * سري وذكري وفكري عند ذكراكا
حتى كأن رقيبا منك يهتف بي * إياك ويحك والتذكار إياكا
اجعل شهودك في لقياك تذكرة * فالحق إذكاره إياك لقياكا
أما ترى الحق قد لاحت شواهده * وواصل الكل من معناك معناكا
قال : فلما فرغ الشيخ عبد الرحيم أنشد الشيخ أبو الحجاج يوسف القلونسي يقول :
البين فيه لمن ذاق الهوى أجل * به النفوس عن الأجساد يرتحل
والبين كون لروح المستهام إذا * ما قيل قد بان من تهواه واحتملوا