أخرج اللّه تعالى من الأرض الآفاق حبّا هو قوت الحيوانات النّفسانيّة ، وأخرج من الأرض الأنفسيّة حبّا وهو قوت الأرواح الرّوحانيّة كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من أخلص للّه تعالى أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » « 1 » .
وأمّا ربحه فرؤية عكس جمال اللّه تعالى كما قال اللّه تعالى :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
( 11 ) [ النّجم : الآية 11 ] ، وكما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
« المؤمن مرآة المؤمن » « 2 » . والمراد من المؤمن الأوّل قلب العبد المؤمن . ومن الثّاني هو اللّه
. . . الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ . . .
[ الحشر : الآية 23 ] ، قال صاحب المرصاد رحمه اللّه تعالى : ومسكن هذه الطّائفة في الجنّة الثّالثة وهي جنة الفردوس .
وحانوت الرّوح القدسيّ في السّرّ كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ :
« الإنسان سرّي وأنا سرّه » « 3 » . ومتاعه علم الحقيقة : وهو علم التّوحيد . ومعاملته ملازمة أسماء التّوحيد ، وهي الأربعة الأخيرة بلسان السّرّ في السّرّ بلا نطق كما قال اللّه تعالى :
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى
( 7 ) [ طه : الآية 7 ] ولا يطّلع عليه غير اللّه تعالى .
وأمّا ربحه فظهور طفل المعاني ومشاهدته ومعاينته ، ونظره إلى وجه اللّه تعالى جلالا وجمالا بعين السّرّ كما قال اللّه تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
( 23 ) [ القيامة : الآيتان 22 ، 23 ] بلا كيف ولا كيفيّة ولا تشبيه كما قال اللّه تعالى :
. . . لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشّورى : الآية 11 ] .
فلما بلغ الإنسان إلى مقصوده انحسرت العقول ، وتحيّرت القلوب ، وكلّت الألسن ، ولم يستطع أن يخبر عن ذلك ؛ لأنّ اللّه تعالى منزّه عن المثال ، فإذا بلغ مثل الأخبار إلى العلماء فينبغي لهم أن يفهموا مقامات القلوب ، ويرغبوا حقائقها ،
هامش
( 1 ) رواه أحمد في المسند ( 5 / 147 ) ، وابن المبارك في الزهد ( ص 359 ) ، والطبراني في الشاميين ( 2 / 177 ) ، والقضاعي في الشهاب ( 1 / 285 ) ، وبنحوه .
( 2 ) رواه البيهقي في الكبرى ( 8 / 167 ) ، وأبو داود ( 4 / 280 ) ، والطبراني في الأوسط ( 2 / 325 ) ، والقضاعي ( 1 / 105 ) ، والضياء ( 6 / 179 ) .
( 3 ) لم أقف عليه .