المقالة الثانية والسبعون فيمن إذا دخل الأسواق ومال إلى ما فيها ومن إذا دخلها وصبر
قال رضي اللّه تعالى عنه وأرضاه : الذين يدخلون الأسواق من أهل الدين والنسك في خروجهم إلى أداء ما أمر اللّه تعالى من صلاة الجمعة ، الجماعة وقضاء حوائج تسنح لهم على أضرب :
منهم من إذا دخل السوق ورأى فيه من أنواع الشهوات واللذات تقيد بهما وعلقت بقلبه فتن ، وكان ذلك سبب هلاكه وتركة دينه ونسكه ورجوعه إلى موافقة طبعه واتباع هواه إلا أن يتداركه عزّ وجلّ برحمته وعصمته وإصباره إياه عنها فتسلم .
ومنهم من إذا رأى ذلك كاد أن يهلك بها رجع إلى عقله ودينه وتصبر وتجرع مرارة تركها ، فهو كالمجاهد ينصره اللّه تعالى على نفسه وطبعه وهواه ، ويكتب له الثواب الجزيل في الآخرة .
كما جاء في بعض الأخبار عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يكتب للمؤمنين بترك شهوة عند العجز عنها أو عند المقدرة سبعون حسنة » أو كمال قال .
ومنهم من يتناولها ويتلبس بها ويحصلها بفضل نعمة اللّه عزّ وجلّ التي عنده من سعة الدنيا والمال ، ويشكر اللّه عزّ وجلّ عليها .
ومنهم من لا يراها ولا يشعر بها ، فهو أعمى عن ما سوى اللّه عزّ وجلّ ، فلا يرى غيره ، وأصم عما سواه فلا يسمع من غيره ، عنده شغل عن النظر إلى غير محبوبه واشتهائه ، فهو في معزل عما العالم فيه فإذا رأيته وقد دخل السوق فسألته عما رأى في السوق يقول ما رأيت شيئا . نعم قد رأى الأشياء لكن قد رآها ببصر رأسه لا ببصر قلبه ، ونظرة فجاءة لا نظرة شهوة ، نظر صورة لا نظر معنى ، نظر الظاهر لا نظر الباطن ، فبظاهره ينظر إلى ما في السوق وبقلبه ينظر إلى ربّه عزّ وجلّ ، إلى جلاله تارة وإلى جماله تارة أخرى .
ومنهم من إذا دخل السوق امتلأ قلبه باللّه عزّ وجلّ رحمة لهم ، فتشغله الرحمة لهم عن النظر إلى ما لهم وبين أيديهم فهو من حين دخوله إلى حين خروجه في الدعاء والاستغفار والشفاعة لأهله والشفقة والرحمة عليهم ولهم ، رعينه مغزورة ولسانه