شأن أهل الخير والفضل أن يقدموا أمام سؤالهم ومطلبهم الاعتراف بإساءتهم ، وأنهم أهل لكل عيب ونقيصة وإن لم يصدر منهم شيء من المخالفة وإنما هو اعتراف بما تقتضيه الطبيعة البشرية وأن اللّه بضد ذلك ، فقد جاء في الحديث « 1 » « من عرف نفسه عرف ربه » ، هذا وإن يوسف الصديق على نبينا وعليه الصلاة والسلام قال كما حكى اللّه عنه في التنزيل :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي
« 2 » الآية .
* « فائدة » * [ في حديث من عرف نفسه عرف ربه ]
قال في سنن المهتدين نقلا عن عز الدين بن عبد السلام أنه قال : عند ذكر الأثر المذكور ( من عرف نفسه عرف ربه ) ظهر لي من سر هذا الحديث ما يجب كشفه ويستحسن وصفه وهو أن اللّه سبحانه وضع هذا الروح الروحانية في هذه الجثة الجسمانية لطيفة لألوهيته ، مودعة في كثيفة ناسويته ، دالة على وحدانيته وربانيته ، ووجه الاستدلال من عشرة أوجه :
الأول أن هذا الهيكل الإنساني لما كان متفقرا إلى مدبر وإلى محرك ، وهذه الروح تدبره وتحركه علمنا أن هذا العالم لا بد له من مدبر ومحرك ، الثاني لما كان مدبر الجسد واحد وهو الروح علمنا أن مدبر هذا العالم واحد لا شريك له في تدبيره
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
.
لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ
« 3 » الآية
وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ
« 4 » الآية . الثالث لما كان هذا الجسد لا يتحرك إلّا بإرادة الروح وبتحريكها له علمنا أن اللّه مريد لما هو كائن في كونه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه . الرابع لما كان لا يتحرك في الجسد شيء إلا بعلم الروح وشعوره به لا
هامش
( 1 ) قال النووي أنه ليس بثابت ، وللحافظ السيوطي فيه تأليف لطيف سماه القول الأشبه في حديث من عرف نفسه فقد عرف ربه ، وفي أدب الدين والدنيا للماوردي عن عائشة سؤل الرسول صلى اللّه عليه وسلم من أعرف الناس بربه ؟ قال : أعرفهم بنفسه .
( 2 ) سورة يوسف / آية 53 .
( 3 ) سورة الأنبياء / آية 22 .
( 4 ) سورة المؤمنون / آية 91 .