وإن كانوا
« ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ »
فإن القيامة في حقهم قائمة لأنهم عند ربهم . ولعل من يقول ؛ أبيت عند ربى
« يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ »
، يصدق منه أن يقول : بعثت والساعة كهاتين إن كادت لتسبقنى فسبقتها أنا .
واعلم أن الساعة من داخل حجب السماوات والأرض ؛ ومنزلتها من تلك الحجب منزلة الجنين من رحم أمه ؛ ولذلك لا تقوم إلّا
« إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها »
، وانشقت السماء واندثرت الكواكب ، وكوّرت الشمس وسيّرت الجبال وعطلّت العشار ،
« بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ »
. وعلى الجملة
« تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ »
. فما دام السالك خارج حجب الأرض والسماوات ، فلا تقوم له القيامة ؛ فإنما كانت القيامة داخل الحجب ، لأن اللّه داخل الحجب وعنده علم الساعة ؛ فقوله - عليه الصلاة والسلام - لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول لا اله إلا اللّه معناه : أن الرجل ما دام خارج الحجب ، فالقيامة سر على علمه ، فإذا قطع في سلوكه تلك الحجب وتبحبح في حضرة العنديّة ؛ صار سر القيامة عنده علانية . ولهذا السبب لم يجز أن يرى اللّه أحد أصلا في الدنيا ، لا نبي ولا ولىّ . وأمّا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فإنما رآه ، بعد أن قطع الحجب ليلة المعراج . ولمّا قيل لموسى - عليه السلام -
« أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها »
. لا جرم لمّا طلب الرؤية قيل له :
« لَنْ تَرانِي »
. واعلم أن محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - إنما كانت القيامة عنده علانية حين قطع حجب