كما أن الوجوب لازم لها مثلا ؛ ولو خلت الذات عن هذا الكرم كانت ناقصة . وهذا كما أن الشمس إذا أشرقت بها الآفاق كان ذلك من كمال اشراقها ؛ ولو لم تكن هذه الصّفة موجودة في الشمس ، كانت ناقصة وكان يعوزها شئ من كمال نورانيتها
« وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
.
الفصل السادس والأربعون ( التأمل في المرآة يوضح حقيقة وجود الموجودات )
أولو الألباب يعتبرون بالمرآة من أوجه كثيرة ، ويكاد حصر تلك العبر يستحيل .
ومما يعتبرون به أنهم إذا نظروا فيها شاهدوا ، حقيقة قوله تعالى :
« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ »
. وقوله - عليه الصلاة والسلام : الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » ، وعلموا أن نسبة الملك والملكوت في الوجود إلى وجه الحي القيوم ، نسبة الصورة الداخلة في المرآة إلى الصورة الخارجة ؛ إذ ليس للملك والملكوت حقيقة الوجود ، وانما وجودهما تابع لوجود الوجه الحق الحقيقي الوجود . فإن بعض الخلق لا بل أكثرهم يظنون أن الموجودات التي يشاهدونها في الدنيا لها وجود حقيقي ؛ فإذا بطلت النسبة الحاصلة بين ابصارهم وبين تلك الموجودات المحسوسة ، انكشف الغطاء عن أبصارهم وارتفع التلبيس ، فانتبهوا من نومهم وعلموا يقينا أنّ
« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ »
؛ اللهمّ إلّا إذا قام موجود أزلا وأبدا بقيومية وجهه الباقي ، فيكون القائم من موجود الأبديّة وجود القيوم وسرمديته - جلّ الواحد القهار - وحينئذ ينادى الخلق من بطنان العرش بقوله تعالى :
« لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ : لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ »
. ويشاهدون ذلك