وقال : ( من غفل عن اللّه ساعة فقد عصاه ، ومن غفل عن نفسه فقد قتلها ) .
أقول : الحقّ تعالى يدعو الناس إلى ذكره بقوله :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
[ البقرة :
الآية 152 ] ، فمن غفل عنه ساعة فقد عصاه ، وقد خلقت النفس ظلومة جهولة ، لا تهتدي إلى مضارّها ومنافعها ، فمن غفل عن رعايتها وتدبيرها ، تورّط المهالك واستتبعته ، فكأنّه قتل نفسه .
وقال : ( أصل الغفلة الحرمان ) .
أقول : يعني أنّه كما أنّ ذكر العبد نتيجة ذكر الحقّ إيّاه ، فكذلك غفلته عن ربّه فرع نسيان الحقّ إيّاه ، وحرمانه عن الحظّ الإلهيّ أصلها .
بيان المشاهدة والمراقبة
قال : ( المشاهدة رؤية بلا وصف ) .
أقول : يعني مشاهدة نور القدم رؤية تنفي ظلمة الحدوث ، فهي قائمة بذاتها بغير وصف للعبد ، وهذا دقيق لا يدرك إلّا بحدّة البصيرة ، ويحتمل معنى آخر ، وهو أنّ المشاهدة رؤية لا يدرك وصفها ، ولا يتسلّط عليه التغيير .
وقال : ( الحضور رؤية بلا قهر ، والمشاهدة قهر بلا رؤية ) .
أقول : فرّق بين الحضور والمشاهدة ، بأنّ الحضور رؤية لا تقتضي قهر صاحبها ، والمشاهدة رؤية تقهر وجود العبد بلا رؤية له ، وتقوم بذات المشهود ، والرؤية المقتضية للقهر هي التي تكون مباشرة بلا حجاب ، والتي لا تقتضيه تكون مع حجاب رقيق ، وهو أن يرى العبد أنّ اللّه يراه ؛ كما ورد : « اعبد اللّه كأنّك تراه ، فإن كنت لا تراه فإنّه يراك » « 1 » .
فما دام هذا العلم ملازما للقلب يكون حاضرا مع اللّه تعالى غير فان ، ويكون هذا الحضور رؤية بلا قهر ، وإذا تجلّى له مكشوفا أفنى نور القدم ظلمة
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان . . . ، حديث رقم ( 9 ) [ 1 / 39 ] ؛ وابن حبان في صحيحه ، ذكر البيان بأن الإيمان والإسلام . . . ، حديث رقم ( 173 ) [ 1 / 397 ] ورواه غيرهما .