قال : ( رؤية العلم عجز المريدين ) .
أقول : يعني ، أنّ الرؤية العلمية حال أهل البداية من المريدين ، العاجزين عن البلوغ إلى شهود المعروف .
قال : ( العلم دليل ، والحكمة ترجمان ، فالعلم دعوة معمومة ، والحكمة دعوة مخصوصة ) .
أقول : فرّق بين العلم والحكمة ، فحكم على العلم بأنّه دليل ، وعلى الحكمة بأنّها ترجمان ، والمراد بالحكمة معرفة حقيقة الشيء .
وقوله : ( العلم دليل ) يحتمل العلم الاستدلالي ، والشرعي .
فعلى الأوّل : معناه ، أنّ العلم الاستدلالي دليل لمعرفة الباري سبحانه ؛ كما مرّ . ( والحكمة ترجمان ) ، أي مفسّر خطابه ، ومبيّن كلماته التي ينفد البحر دون نفادها ، وهي الموجودات الصادرة عنه سبحانه ، الخبيئة في المعاني والحكم .
وعلى الثاني : معناه ، على أنّ العلم الشرعي دليل الأحكام ، والحكمة مبيّن حكم الأحكام .
والعلم والحكمة دليلان في الدعوة إلى اللّه سبحانه ؛ كما قال :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
[ النّحل : الآية 125 ] ؛ أي العلم الذي به سقط البأس .
وليست المجادلة في قوله تعالى :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ النّحل : الآية 125 ] رتبة من رتب الدعوة ، وإنّما هي الدافعة للمنازعة ، وعطفها على الأمر بالدعوة ، لا على المدعوّ به ، يشهد بذلك .
والفاء في قوله : ( فالعلم ) تتضمّن تقدير مجمل ، يفصّله قولنا : العلم والحكمة دعوتان ، ( فالعلم دعوة معمومة ، والحكمة دعوة مخصوصة ) ، وإنّما أتى بمعمومة بدل عامّة ؛ لمجانسة مخصوصة . والدلالة لا تختصّ بالعلم ، بل تتناول الحكمة أيضا ؛ لأن الحكمة دليل فهم الخطاب ، وإنّما حكم عليها بأنّها ترجمان ؛ ليذكرها بأخصّ الأسماء ، وليشير إلى أنّ الانتفاع بالحكمة لأهل الشهود ، فإنّ الترجمان بين المتخاطبين يكون عند التشاهد غالبا .