بريء منك . فهو الذي قال اللّه تعالى فيه :
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ
« 1 » .
وروي أن إبليس سأل الشافعي رضي اللّه عنه : ما قولك فيمن خلقني كما اختار ، واستعملني فيما اختار ، وبعد ذلك إن شاء أدخلني الجنة ، وإن شاء أدخلني النار ، أعدل في ذلك أم جار « 2 » ؟ فنظر في كلامه ثم قال : يا هذا إن كان خلقك لما تريد أنت فقد ظلمك ، وإن كان خلقك لما يريد هو ، فلا يسأل عمّا يفعل . فاضمحل إلى أن صار لا شيء ، ثم قال : واللّه يا شافعي لقد أخرجت بمسألتي هذه سبعين ألف عابد من ديوان العبودية .
واعلم أن مثال القلب مثال حصن ، والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن فيملكه ويستولي عليه ، ولا يقدر على حفظ الحصن من العدو إلا بحراسة أبواب الحصن ومداخله ومواضع ثلمه ، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يدريها . فحماية القلب عن وسواس الشيطان واجب ، وهو فرض عين على كلّ مكلّف ، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو أيضا واجب ، ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله ، فصارت معرفة مداخله واجبة ، ومداخله وأبوابه صفات العبد وهي كثيرة :
منها الغضب والشهوة : فإنّ الغضب غول « 3 » العقل ، وإذا ضعف العقل هجم جند الشيطان ، ومتى غضب الإنسان لعب الشيطان به كما يلعب الصبي بالكرة .
وقد ذكر أن بعض الأولياء قال لإبليس : أرني كيف تغلب ابن آدم .
فقال : آخذه عند الغضب وعند الهوى .
ومنها الحسد والحرص : فمتى كان العبد حريصا على كلّ شيء أعماه حرصه وأصمّه ، فحينئذ يجد الشيطان فرصة فيحسّن عند الحريص كلّ ما يوصله إلى شهوته ، وإن كان منكرا فاحشا .
هامش
( 1 ) سورة الحشر ، الآية : 16 .
( 2 ) جار : ظلم وابتعد عن الحق والعدل .
( 3 ) غول : قيد .