بين أيدينا ، فصرنا نلهو ونغفل ، ونشتغل بما لا يعنينا .
فنسأل اللّه تعالى اليقظة من هذه الغفلة ، فإنّ أحسن أحوال الحاضرين على الجنائز بكاؤهم على الميت ، ولو عقلوا لبكوا على أنفسهم لا على الميت .
نظر إبراهيم الزيّات إلى أناس يترحّمون على الميت ، فقال : لو ترحّمون على أنفسكم لكان خيرا لكم ، إنه نجا من ثلاثة : وجه ملك الموت وقد رأى ، ومرارة الموت وقد ذاق ، وخوف الخاتمة وقد أمن .
وقال أبو عمرو بن العلاء : جلست إلى جرير وهو يملي على كاتبه شعرا ، فأطلعت جنازة ، وأنشأ يقول :
تروّعنا « 1 » الجنائز مقبلات * ونلهو حين تذهب مدبرات
كروعة ثلّة « 2 » لمغار ذئب * فلما غاب عادت راتعات
فمن آداب حضور الجنائز : التّفكر والتنبّه ، والاستعداد ، والمشي أمامها على هيئة التواضع ، كما ذكرت آدابه وسننه في فن الفقه ، ومن آدابه حسن الظنّ بالميت ، وإن كان فاسقا ، وإساءة الظنّ بالنفس وإن كان ظاهرها الصلاح ، فإن الخاتمة خطرة لا تدرى حقيقتها .
ولذلك روي عن عمر بن ذرّ أنه مات واحد من جيرانه . وكان مسرفا على نفسه ، فتجافى « 3 » كثير من الناس عن جنازته ، فحضرها هو ، وصلّى عليها ، فلما دلّي في قبره وقف على قبره وقال : يرحمك اللّه يا أبا فلان ، فلقد صحبت عمرك بالتوحيد ، وعفّرت وجهك بالسجود ، وإن قالوا مذنب وذو خطايا ، فمن منا غير مذنب ، وغير ذي خطايا .
ويحكى : أن رجلا من المنهمكين في الفساد ، مات في بعض نواحي البصرة ، فلم تجد امرأته من يعينها على حمل جنازته ، إذ لم يدر بها أحد من جيرانه لكثرة فسقه ، فاستأجرت حمّالين وحملتها إلى المصلّى ، فما صلّى عليه أحد . فحملتها إلى الصحراء للدفن ، فكان على جبل قريب من الموضع زاهد من الزّهاد الكبار ، فرأته كالمنتظر
هامش
( 1 ) تروّعنا : تفزعنا .
( 2 ) ثلّة : جماعة .
( 3 ) فتجافى : ابتعد .