وحكي : عن بعض الشيوخ أنه قال : رأيت أبا العباس الخضر عليه السلام فقلت له : ما تقول في هذا السماع الذي اختلف فيه أصحابنا ؟ فقال : هو الصفو الزّلال الذي لا يثبت عليه إلا أقدام العلماء .
وحكي : عن ممشاد الدّينوريّ أنه قال : رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في النوم فقلت : يا رسول اللّه ، هل تنكر من هذا السماع شيئا ؟ فقال : ما أنكر منه شيئا ، ولكن قل لهم يفتتحون قبله بالقرآن ، ويجتمون بعده بالقرآن .
وحكي : عن طاهر بن بلال الهمداني الورّاق ، وكان من أهل العلم ، أنه قال : كنت معتكفا في جامع جدّه على البحر ، فرأيت يوما طائفة يقولون في جانب منه قولا ويستمعون ، فأنكرت ذلك بقلبي ، وقلت : في بيت من بيوت اللّه يقولون الشعر ! قال :
فرأيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في تلك الليلة وهو جالس في تلك الناحية وإلى جانبه أبو بكر الصدّيق رضي اللّه عنه ، وإذا أبو بكر يقول شيئا من القول ، والنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يستمع إليه ، ويضع يده على صدره كالواجد بذلك ، فقلت في نفسي : ما كان ينبغي لي أن أنكر على أولئك الذين كانوا يستمعون ، وهذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يستمع ، وأبو بكر يقول ، فالتفت إليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : هذا حقّ بحقّ ، أو قال : حقّ من حقّ . أنا أشكّ فيه .
وقال الجنيد : تنزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواضع : عند الأكل ؛ لأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة ، وعند المذاكرة ، لأنهم لا يتحاورون إلّا في مقامات الصدّيقين ، وعند السماع ؛ لأنهم يسمعون بوجد ، ويشهدون حقا .
وعن ابن جريج أنه كان يرخّص في السماع فقيل له : أيؤتى به يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك ؟ فقال : لا في الحسنات ولا في السيئات ، لأنه شبيه باللغو « 1 » ، وقال اللّه تعالى :
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ
« 2 » .
هذا ما نقل من الأقاويل ومن طلب الحقّ في التقليد ، فمهما استقصى تعارضت عنده هذه الأقاويل ، فيبقى متحيّرا أو مائلا إلى بعض الأقاويل بالتشهّي ، وكلّ ذلك قصور ، بل ينبغي أن يطلب الحقّ بطريقه وذلك بالبحث عن مدارك الحظر والإباحة .
هامش
( 1 ) اللغو : هو ما لا يعتدّ به من كلام وغيره ، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 225 .