الأولى : شدّة النزع - كما ذكرناه .
والداهية الثانية : مشاهدة صورة ملك الموت ، ودخول الروّع والخوف منه على القلب فلو رأى صورته التي يقبض عليها روح العبد المذنب أعظم الرجال قوة لم يطق رؤيته .
فقد روي عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنّه قال لملك الموت : هل تستطيع أن تريني صورتك التي تقبض عليها روح الفاجر ؟ قال : لا تطيق ذلك . قال : بلى . قال :
فأعرض عني . فأعرض عنه ثم التفت ، فإذا هو برجل أسود قائم الشعر منتن الريح أسود الثياب يخرج من فيه ومناخيره لهيب النار والدخان .
فغشي على إبراهيم عليه السلام ثم أفاق وقد عاد ملك الموت إلى صورته الأولى .
فقال : يا ملك الموت ، لو لم يلق الفاجر عند الموت إلّا صورة وجهك لكان حسبه .
وروى أبو هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أن داود عليه السلام كان رجلا غيورا ، وكان إذا خرج غلّق الأبواب . فغلّقها ذات يوم وخرج ، فأشرفت امرأته فإذا هي برجل في الدار ، فقالت : من أدخل هذا الرجل ؟ لئن جاء داود ليلقينّ منه عناء . فجاء داود فرآه . فقال :
من أنت ؟ فقال : أنا الذي لا أهاب الملوك ، ولا يمنعهم مني الحجاب . فقال : فأنت واللّه إذا ملك الموت . وزملّ داود عليه السلام مكانه .
وروي : أنّ عيسى عليه السلام مرّ بجمجمة فضربها برجله ، فقال : تكلّمي بإذن اللّه . فقالت : يا روح اللّه أنا ملك زمان كذا وكذا ، بينا أنا جالس في ملكي عليّ تاجي ، وحولي جنودي وحشمي على سرير ملكي ، إذ بدا لي ملك الموت فزال مني كلّ عضو على حياله ، ثم خرجت نفسي إليه فيا ليت ما كان من تلك الجموع كان فرقة ، ويا ليت ما كان من ذلك الأنس كان وحشة ، فهذه داهية يلقاها العصاة ويكفاها المطيعون .
فقد حكى الأنبياء : مجرّد سكرة النزع دون الروعة التي يدركها من يشاهد صورة ملك الموت ، كذلك ولو رآها في منامه ليلة لتنغص عليه بقية عمره فكيف برؤيته في مثل تلك الحال ؟
وأمّا المطيع فإنه يراه في أحسن صورة وأجملها .
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب — صفحة 244
مساهمون: الغزالي
ص٢٤٤