فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يعتبر عمر - وهو فخر الإسلام - مجرد حسنة من حسنات أبى بكر ، حين قال له : « هل أنت إلا حسنات أبى بكر ؟ » فانظر إلى أحوال العالم .
ويذكر عن أبي بكر أنه قال : « دار فانية ، وأحوالنا عارية وأنفاسنا معدودة ، وكسلنا موجود » . فعمارة الدار الفانية من الجهل ، والاعتماد على العارية من البله ، وشغل القلب بالأنفاس المعدودة من الغفلة ، والدين سمى الكسل كفرا . فالعارية ترد ؛ والعابر لا يبقى ؛ وما يدخل في الحصر ينفد ؛ وليس للكسل دواء . وهو يعنى بهذا أن الدنيا من التفاهة بحيث يجب ألا تشغلنا ؛ إذ عندما تشغل نفسك بما هو فان تغفل عما هو باق .
ويولى أحباب اللّه ظهورهم للدنيا وملاذها ؛ التي تحجبهم عنه تعالى فهم لا يريدون أن يتصرفوا كما لو كانوا يملكون شيئا هو في الحقيقة ملك غيرهم .
وقد قال أبو بكر في مناجاته : اللهم ابسط لي الدنيا وزهدنى فيها ولهذا القول معنى خفى ، وهو : امنحنى أولا متاع الدنيا حتى أشكرك عليه ؛ ثم ساعدنى على الزهد فيه ، من أجلك ، حتى أنال هذه المزايا الثلاث : الشكر ؛ والكرم ، والزهد ، وحتى يصبح فقرى اختيارا لا إجبارا .
إن هذه الكلمات تدحض حجة من قال : إن من جاء فقره عن قسر أكثر كمالا ممن جاء فقره عن اختيار . فمن جاء فقره عن قسر فهو صنيعة الفقر ومن جاء فقره عن اختيار أصبح الفقر صنيعة له . وخير للشخص أن تكون أفعاله حرة من أي محاولة يريد بها أن يحصل على الفقر ، إذ أن ذلك أفضل من أن يحاول أن يصل إلى الفقر بمحض إرادته .
وأقول ردا على ذلك : إن صنيعة الفقر هو بدون شك ذلك الشخص الذي تتملكه الرغبة في الفقر ، رغم تمتعه بالاستقلال عنه ، ولذلك فهو يحاول جاهدا أن يصل إليه ، وليس هو ذلك الشخص الذي يكون في مقام الفقر ثم تتملكه
كشف المحجوب — صفحة 93
مساهمون: علي الهجويري
ص٩٣