حاله بقي في دائرة الحفظ الإلهى ممدوحا على الدوام ومثابا في قصور البهجة ولكن من تغلب حاله على علمه فهو خارج عن الأوامر محروم من الخطاب ، وبصير في محل نفضه إما معذور وإما مغرور .
ومن كلام الجنيد يستفاد أنه يوجد طريقان طريق علم وطريق عمل فالعمل بغير علم جهل ونقص ولو كان صالحا ، والعلم عز وشرف ولو لم يصحبه العمل ، ولذلك فقد قال أبو يزيد « كفر أهل الهمة أشرف من إسلام أهل الأمنية » ، والكفر لا يتأتى لأهل الهمة ، ولكن إذا جرى التقدير به فهم أكمل أيضا عن أمن أهل المنية بالإيمان .
وقد قال الجنيد إن الشبلي « سكران ولو أفاق من سكره لجاء منه إمام ينتفع به » « 1 » .
ومن الحكايات المشهورة أن الجنيد ومحمد بن مسروق وأبا العباس بن عطاء كانوا مرة مجتمعين ، وكان القوال يغنى أبياتا فبقى الجنيد ساكنا أما صاحباه فتواجدا ، فلما سألاه لماذا لم يشترك معهما في السماع تلا الآية
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
« 2 » .
والتواجد هو تكلف الوجد بملاحظة نعم الله تعالى وآياته بالقلب والفكر في الاتصال والرغبة في أعمال الصالحين ، وبعضهم يتواجد على حسب الرسم ويقلدونهم بحركاتهم الظاهرة ، مثل هذا التواجد حرام ، والبعض يفعلونه بمعنى روحاني رغبة في الوصول إلى حال ومقام كبار المتصوفة .
وقد قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « من تشبه بقوم فهو منهم » « 3 » وقال أيضا : « إذا قرأتم القرآن فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا » ، وإن هذا الحديث يدل على جواز التواجد ومن ذلك ما قاله ذلك المرشد : « إني لأمشى ألف ميل في الباطل رغبة في أن تكون خطوة منها على حق » .
هامش
( 1 ) اللمع الطوسي ص 382 .
( 2 ) سورة النمل : آية 88 .
( 3 ) رواه أبو داود والطبراني في الأوسط وحسنه السيوطي الجامع الصغير ج 2 ص 168 .