غائبا لزم أن يكون حاضرا بإهمال أدائها ولكن حيث أن أدائها فرض على الكل حاضرين أو غائبين فالصلاة هي مستقلة في ذاتها وحيدة في بابها والصلاة أصل مجاهدة النفس والذين بلغوا مقام الاستقامة يجاهدون أنفسهم دائما في أعمال الصلاة حتى أن المشايخ كانوا يأمرون مريديهم بصلاة أربعمائة ركعة في الليل والنهار حتى تعتاد أجسامهم على العبادة وأهل الاستقامة أيضا يصلون كثيرا شكرا لله تعالى على ما أولاهم من جزيل النعم أما أرباب الأحوال فصلاتهم مع كمال الوجد تشير إلى مقام الجمع لأنهم في حال صلاتهم يصيرون متحدين أما إذا تخلوا عن وجدهم فصلاتهم تشير إلى مقام الفرق فيكونون بها أهل فرق فأولئك الذين يتحدون مع صلاتهم يقومون نهارهم وليلهم ويزيدون عليها نوافل كثيرة وأما أهل الفرق فإنهم لا يزيدون على الصلاة المفروضة . قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم « جعلت قرة عيني في الصلاة » « 1 » لأن الصلاة مصدر الفرح للمستقيم .
لما أسرى برسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج وتخلصت نفسه من قيود العناصر وتخلصت روحه من أدران المقامات والدرجات وفنيت قواه الطبيعية وبقي عن الدلائل بلا دليل وصار غائبا عن المشاهدة في المشاهدة واستراح عن المغايبة وتلاشت منه البشرية واحترقت قوته المادية قال عن غير إرادته بإلهام الوجد : « اللهم لا ترجعنى إلى دار البلاء ولا تضعني تحت قيود الطبع والهوى » فأجابه الله : « إنه قد سبق في علمي أن ترجع إلى الدنيا لكي تؤيد الشرع الشريف حتى أعطيك هناك ما منحتكه هنا » فلما رجع إلى هذه الدار كان دائما يقول لتشوقه إلى هذا المقام العلى : « أرحنا بالصلاة يا بلال » هذا وإن كل فريضة من الفرائض له صلّى اللّه عليه وسلم قرب ومعراج .
كان الخلق يرونه في الصلاة ، وكانت روحه في الصلاة ، وقلبه في الحلبة فسره في الطيران ونفسه في الذوبان حتى صارت قرة عينه في الصلاة ، كان جسده في الملك وكانت روحه في الملكوت ، وكان جسده إنسيا وروحه في محل
هامش
( 1 ) رواه الطبراني عن المغيرة .