هذا القبيل من الرجل على المرأة ، ذلك أن داود كان في حال الصحو بينما كان المصطفى في حال السكر .
والجنيد وأتباعه يفضلون الصحو على السكر ، لأنهم يقولون إن السكر شر ، لأنه ينطوى على اضطراب الأحوال العادية للفرد وفقدان العقل وعدم ضبط النفس ، وحيث أن أصول الأشياء هو البحث عنها بطريقة الفناء أو البقاء أو المحو أو الإثبات ، يثبت بذلك أن طريقة التحقيق لا يمكن الوصول إليها إلا إذا كان الباحث في حالة صحو . فالعطاء لا يخرج الإنسان من ربقة الطبيعة والسبب الذي أوقف الناس عند الطبيعة ؛ وأنساهم اللّه هو نظرهم إلى الأشياء على ما هي عليه ، لأنهم إذا رأوها فروا منها . والنظر على قسمين لأن كل من نظر إلى شيء نظر إليه بعين البقاء ، أو بعين الفناء ، فإذا كان بعين البقاء أدرك أن الوجود بأجمعه غير كامل بالنسبة لبقائه ، إذا أنه لا يعتبر الطبائع باقية بنفسها ، وإذا نظر بعين الفناء أدرك أن كل المخلوقات فانية بالنسبة لبقاء اللّه تعالى . وفي كلتا الحالتين فإنه يفر من المخلوقات . وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « اللهم أرنا الأشياء كما هي » أو كما قال : « لأن كل من رآها استراح » . وهذا معنى الآية الكريمة :
فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
« 1 » وهذه المشاهدة لا يمكن الوصول إليها تماما إلا في حال الصحو ، وليس للسكران إدراك لها ، لأن موسى عليه السّلام كان في حال السكر لم يحتمل نظرة واحدة فصعق ، أما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقد كان في حال صحوه وشهد بذلك الجمال بكل معانيه ، من مكة إلى أن صار :
قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
« 2 » قريبا من اللّه تعالى وذلك مع صحوه :
شربت الراح كأسا بعد كأس * فما نفد الشراب ولا رويت
هامش
( 1 ) سورة الحشر : آية 2 .
( 2 ) سورة النجم : آية 9 .