أرقى من ذلك أعنى أن أكل الدرويش القناعة ، ولباسه التقوى ، وسكنه الغيب ؛ لأن اللّه سبحانه وتعالى يقول :
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً
« 1 » وقال سبحانه وتعالى أيضا :
وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ
« 2 » ويقول رسول صلّى اللّه عليه وسلم : « الفقر وطن الغيب » .
وإذن فما دام الأكل والشراب من شرب القرب واللباس من التقوى والمجاهدة ، والوطن الغيب وانتظار الوصال ، وضح طريق الفقر والمنازلات وهذه هي درجة الكمال .
25 - ومنهم لسان المحبة والوفاء ، وزين طريق الولاء ، أبو زكريا يحيى بن معاذ الرازي .
عالي الحال ، طيب السيرة له قدم ثابتة في مقام الرجاء . وقد قال الحصري عنه : « إن للّه يحيان : أحدهما نبي ، والآخر ولى » فيحيى بن زكريا سلك طريق الخوف حين كثر أدعياء هذا الطريق ، وفقدوا الأمل في الخلاص .
ويحيى بن معاذ سلك طريق الرجاء ، حتى ادعاه أهل الباطل ، قال بعضهم للحصرى : إنا نعلم ما كان عليه يحيى بن زكريا من الخوف ، فما هو حال يحيى بن معاذ ؟ فقال : « أخبرت أنه لم تسبق له جاهلية ولم يعمل كبيرة ما »
وكانت له مراقبة في العبادات ، تكاد تكون فوق طاقة البشر حتى أن أحد مريديه قال له : « يا مولاي إن مقامك مقام الرجاء ، ولكنا نرى أعمالك أعمال الخائفين » . فقال له يحيى : « اعلم يا ولدى أن من ترك عبادة اللّه فقد ضل » .
فالخوف والرجاء هما عمادا الإيمان ، ومن المستحيل أن يقع الإنسان في محظور ما دام يعمل بهما ، لأن الخائفين يعبدون اللّه تعالى مخافة البعد عنه ، والراجين يعبدونه رغبة في الوصول إليه ، ولولا العبادة لم يشعر الإنسان بلذة
هامش
( 1 ) سورة الجن : آية 16 .
( 2 ) سورة الأعراف : آية 26 .