ويروى عن ذي النون أنه قال : « عندما كنت قادما من بيت المقدس إلى مصر رأيت عن بعد شخصا ذا هيبة يقترب منى ، وشعرت برغبة في سؤاله فلما اقترب الشخص أدركت أنه امرأة عجوز ؛ تمسك عصا ، وترتدى عباءة صوفية ، فسألتها : من أين ؟ . فقالت من اللّه ، فقلت : وإلى أين ؟ ، قالت إلى اللّه ، فأخرجت قطعة ذهب كانت معي ، وقدمتها لها ، ولكنها هزت يديها في وجهي ، وصاحت قائلة : يا ذا النون إن رأيك فىّ ناجم عن سوء فهمك ، أنا أعمل للّه ولا أقبل شيئا إلا من اللّه ، إني أعبده وحده ، ولا آخذ إلا منه ثم انصرفت في طريقها . .
إن ما قالته المرأة عن أنها تعمل للّه ، هو دليل على صدقها في المحبة ، ذلك أن الناس في علاقتهم باللّه نوعان : نوع يظن أنه يعمل للّه ، وهو لا يعمل إلا لنفسه ورغم أنه لا يعمل بدافع دنيوي ، إلا أنه يرغب في الجزاء في الآخرة .
ونوع لا يهمه العقاب أو الثواب في الآخرة ، ولا العظمة أو الشهرة في الدنيا ، وإنما يعمل إطاعة للّه وحده ، إن محبتهم للّه تتطلب منهم أن ينسوا كل مصلحة ذاتية وهم ينفذون أمره .
فالفئة الأولى تعتقد واهمة أن ما تقوم به من أجل الدار الآخرة إنما تقوم به من أجل اللّه ، وهي لا تدرك أن المتقين يستفيدون من تقواهم ، أكثر مما يستفيد العصاة من معصيتهم ، ذلك أن لذة العاصي لا تبقى إلا لحظة ، أما لذة التقوى فهي باقية أبد الدهر .
ثم ما ذا يكسب اللّه من عبادة الناس له ؟ وما ذا يفقد إذا هم لم يعبدوه ؟
لو أن العالم كله كان كأبي بكر في صدقه ، فان المنفعة تعود عليه لا على اللّه ، ولو كان كفرعون في عصيانه ، لكان الخسران كله عليه ، فقد قال تعالى :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
« 1 » وقال عز شأنه
وَمَنْ جاهَدَ
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : آية 7 .