الجبال والفلوات يؤمنهم من شرور أنفسهم ويوصلهم الانفراد والخلوة إلى ما وصل إليه الأولياء . وغلطوا في ذلك ، لأنّ المشايخ دعاهم إلى العزلة والانفراد داعي العلم وقوّة الحال وذلك جذب من الحقّ سبحانه جذبهم إليه فأغناهم به عن كلّ من سواه . فمن لم يكن مصحوبه قوّة الحال وغلبة الوارد ثمّ تكلّف الانفراد والعزلة فقد ظلم نفسه وأدخل بذلك على نفسه ضررا عظيما . وأصله حال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، كان إذا دنا منه أوان الوحي يذهب إلى حراء فيخلو فيه الأيّام ذوات العدد وذلك من غلبة الوارد عليه من الوحىّ لمّا دنا وقته .
( 19 ) وطائفة غلطوا في حبّ أنفسهم وتوهّموا أنّهم يسلمون بذلك من الشّهوات النّفسانيّة . وقد غلطوا فإنّ الأوقات تبدو من الباطن وحبّ الآلة لا يزيل ذلك وإنّما يزيله قطع الشّهوات عن القلب وحبّ الآلة لا يضير مع ذلك .
( 20 ) وطائفة غلطوا في أنّهم هاموا على وجوههم في البراري والجبال بلا زاد ولا ماء ولا آلة للطّريق وتوهّموا أنّهم يصلون بذلك إلى منازل الصّادقين في حقيقة التّوكّل . وغلطوا ، لأنّ القوم الّذين عملوا هذا كانت لهم بدايات ورياضات .
( 21 ) وطائفة غلطوا في لبس الصّوف والمرقّعات من غير ضرورة ، وأخذ الرّكاء والأباريق وتعلّموا شيئا من إشارات القوم وعلومهم فظنّوا أنّهم إذا فعلوا ذلك كانوا منهم .
وليس التّحلّي والتّشبّه من الحقيقة بشيء ، لأن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ليس الإيمان بالتّمنّي ولا التّحلّي » . وقال أيضا : « المتشبّه بما لم يعط كلابس ثوبي زور » .
( 22 ) وطائفة أخرى أحرزوا قوتهم وجمعوه ، ثمّ عمدوا بعده إلى الصّوم والصّلاة وقيام اللّيل واستماع الورع ولبس الخشن وأكل الخشن وأكثروا البكاء والتّضرّع وظنّوا أنّ ذلك هو المقصود من الأمر وليس بعده شيء . وغلطوا ، لأنّ بداية التّصوّف هو الخروج من المعلومات والأكل من الغيب والأخذ منه .
( 23 ) وطائفة توهّمت أنّ التّصوّف هو القول والرّقص وسماع النّغم والقصائد واتّخاذ الدّعوات والتّكلّف للاجتماعات لما رأوا من بعض الصّادقين انبساطا في السّماع في بعض الأوقات . وغلطت في ذلك ولم تعلم أنّ كلّ قلب تلوّث بشيء من الدّنيا وكلّ نفس فيها
مجموعة آثار السلمي — صفحة 473
مساهمون: أبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السُلمي
ص٤٧٣