وقيل لبعضهم : أوصني ، فقال : عليك بالقلة والذلة ، واللحوق باللّه عزّ وجلّ .
واستوصى رجل الجنيد فقال : أوصيك بقلة الالتفات إلى الحال الماضية عند ورود الحال الكائنة .
وقال رجل لذي النون : أوصني ، فقال : لا تؤثرن الشكّ على اليقين ، ولا ترضى بنفسك من غير التسكين ، وإن نابتك نائبة فتحمّلها بالصبر وارم بآمالك نحو الدائم الخبير .
وقال رجل لمعروف الكرخي : أوصني ، فقال : اجعله موضع شكواك وأنسك ، والتمس الدواء ممن نزل من عنده الداء ، واعلم أن كل ما نزل من عنده من داء أو بلاء أو فاقة فإن الفرج في كتمانه .
وعن عثمان بن أبي العاصي أن رجلا قال : يا رسول اللّه ، أوصني وخبرني بعمل لا أسأل أحدا بعدك ، فقال : « لا تغضب » فنظرت فإذا راس كل شئ الغضب .
ولما أراد موسى مفارقة الخضر عليهما السلام قال : أوصني ، قال : أوصيك بتقوى اللّه ، وأن تجتنب : اللجاجة ، وأن تمشى لغير الحاجة ، وأن تضحك من غير عجب .
وقال يوسف بن الحسين : قلت لذي النون : أوصني ، فقال : أوصيك ، اجعل باطنك للّه عزّ وجلّ وظاهرك للخلق ، وأعز أمر اللّه يعزّك اللّه عزّ وجلّ .
وقال بشر بن الحراث الحافي : لقيت الجرجاني على عين ماء ، فلما بصرنى عدا وقال :
بذنب منى لقيت اليوم إنسيا ! ! فعدوت ، وقلت : أوصني فالتفت إلىّ وقال : أمستوص أنت ، عانق الفقر ، وعاشر الصبر ، وعاد الهوى ، وخالف الشّهوات ، واجعل بيتك أخلا من لحدك يوم تنقل إليه ، وعلى هذا طاب المسير إلى اللّه عزّ وجلّ .
وقال قاسم الجوعى أو غيره لبعض أصحابه : أوصيكم بخمس ؛ إن ظلمتم فلا تظلموا ، وإن مدحتم فلا تفرحوا ، وإن ذممتم فلا تجزعوا ، وإن كذبتم فلا تغضبوا ، وإن خانوكم فلا تخونوا .
وقال يوسف بن الحسين : قلت لذي النون : أوصني بوصية أحفظها عنك ، فقال : لا تكن لنفسك خصما على اللّه تعالى تستزيده في رزقك وجاهك ، ولكن كن خصم اللّه تعالى على نفسك ، فإنه لا يكون خصم معك عليك ، ولا تزدرى أحدا من الناس تلقاه وإن كان مشركا ، وانظر في عاقبته وعاقبتك فلعلك تسلب المعرفة ولعله يرزقها .
تهذيب الاسرار في أصول التصوف — صفحة 365
مساهمون: عبد الملك الخركوشي النيسابوري
ص٣٦٥