وقال بعضهم : المعرفة على وجهين : معرفة على رؤية النعمة ؛ ومعرفة على رؤية المنعم .
فأما المعرفة التي هي على رؤية النعمة فهي أن العبد يعرف المنعم بالنعمة للنعمة ، قال اللّه عز وجل :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
« 1 » .
وأما المعرفة التي هي على رؤية المنعم ؛ فهي أن العبد يعرف المنعم بالنعم للمنعم من غير أن يلتفت منه إلى النعمة قوله :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
« 2 » ، وقوله تعالى :
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ
« 3 » .
- وسئل الأنطاكي عن المعرفة ومدارجها ؟ فقال : المعرفة تكون بتعريف اللّه سبحانه ، ومدارجها ثلاث ؛ فالمدرج الأول : إثبات وحدانية الواحد القهار . والثانية : قطع القلب عما دون الحق . والثالثة : هي التي لا سبيل لأحد إلى عبارتها ،
يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ
« 4 » .
وقال ذو النون المصري : المعرفة على ثلاثة أوجه ؛ أوّلها معرفة التوحيد ، وهي لعامة المؤمنين . والثاني : معرفة الحجة والبيان ، وهي للعلماء والحكماء والبلغاء . والثالث : معرفة صفات الوحدانية ، وهي لأهل ولاية اللّه عزّ وجلّ الذين يشاهدون بقلوبهم ، فأظهر اللّه تعالى بقلوبهم لهم ما لم يظهر لأحد من العالمين .
قال وأنشدونا في معناه :
طلب الحبيب من الحبيب لقاؤه * ومنى الحبيب من الحبيب لقاه
أبدا يلاحظه بعيني قلبه * فالقلب يعرف ربه ويراه
يرضى الحبيب من الحبيب بقربه * دون العباد فما يريد سواه
وقال أبو سليمان الدارانى : لو أنّ المعرفة نقشت على شئ ، ما نظر إليها أحد إلا مات من حسنها وجمالها ، ولأظلم كل ضوء في جنب ضوئها . وقال بعضهم : إن لكل أحد رأس مال ورأس مال المؤمن المعرفة ، ولكل قوم معاملة ، ومعاملة العارف السرور بها .
وقال عبد العزيز بن عمير : إن المعرفة لتنفع عند الكلب العقور ، وعند الجمل الصؤول ،
هامش
( 1 ) سورة النحل : 53 .
( 2 ) سورة الأنفال : 64 .
( 3 ) سورة التوبة : 129 .
( 4 ) سورة النور : 40 .