إحداهما : يقصون ويدعون ، والأخرى « 1 » يتكلمون في العلم ، وفقه الأعمال ، وأوصاف العمال ، فملت إلى حلقة الدعاء ، فجلست إليهم ، فحملت عيناي فنمت ، فهتف بي هاتف ، وقال لي : جلست إلى هؤلاء وتركت مجلس العلم ، أما واللّه لو جلست إليهم لوجدت جبريل وميكائيل عندهم .
وقال الجنيد : إلى القلب إذا خلى من حب الرياسة ، والنفس من حب الراحة ، ظهر من القلب الحكمة ، ومن النفس الخدمة .
وقال أبو طالب : حقيقة العلم هي « 2 » العلم باللّه ، ألا تسمع إلى ما روى عن المصطفى صلى اللّه عليه وسلم : « أفضل الذكر لا إله إلا اللّه » ، وقال الجليل في تصديقه :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
[ محمد : 19 ] .
وقال أبو طالب : وهذا العلم ، أعنى علم اليقين ، دواء القلوب ، ومراهم العيون ، وكفارات الذنوب ، وعلوم الأولياء ، وأربابه هم الأطباء ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
« من تطبب ولم يعلم منه طب فقتل ، فهو ضامن » ، فالمتكلم بهذا العلم من غير يقين للقابلين منه ، قاتل « 3 » [ لهم ] ، ثم لنفسه ، [ و ] يصير بقتلهم أيضا قتالا .
وقال حاتم الأصم : لا تجلس « 4 » إلى كل عالم ، ولا تستمع من كل متكلم ، واعلم أن لجسدك قوتا ، ولقلبك قوتا ، وقد أمرت بطلب القوتين ، فكما لا ترضى لجسدك إلا بالطيب من الأقوات ، كذلك فلا ترض لقلبك إلا بأنظف العلوم ، وهو علم العالم التقى ، الخائف التقى ، وكما أن لك في قوت نفسك حلالا تحاسب عليه ، وحراما تعذب به ، وشبهه تعاتب عليها « 5 » ، كذلك أيضا في قوت قلبك مثله ، فتدبر ، واعقل ، وتفكر ، وميز .
وقال أبو طالب المكي : إن من علامة علم الآخرة ألا يكون محبا للدنيا ، ولا جريئا على الفتيا ، ولا ذا شهوة في كثرة الكلام ، كما قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « إن من فتنة
هامش
( 1 ) في الأصل : والآخر .
( 2 ) في الأصل : هو .
( 3 ) في الأصل : قاتلا ، والمراد أنه يلقى بأنفسهم إلى التهلكة بإفساد عقائدهم ، ومن ثم يقتل نفسه ؛ لأنه وزرهم عليه .
( 4 ) في الأصل : تجالس .
( 5 ) في الأصل : عليه .