فقال الملك : أمرنا ألا نفارق العلم .
وخير نبينا بين الغنى والفقر ، فاختار الفقر على الغنى ، وقال : « أجوع يوما وأشبع يوما ، وأعيش فقيرا ، وأحشر في زمرة المساكين » .
قال : « وكان لقمان في عصر داود ، عليه السلام ، فلما دخل عليه ، قال : من مثلك يا لقمان ؟ اخترت الحكمة فنجوت ، وابتلى أخوك داود بالمعصية » .
وقال يحيى بن معاذ : الناس كثير ، والعلماء في الناس قليل ، والعلماء كثير ، والفقهاء في العلماء قليل ، والفقهاء كثير ، والحكماء في الفقهاء قليل ، وكلام العلماء يبكى العيون ، وكلام الحكماء يبكى القلوب ، وقيل : كلام الحكماء يشفى المرضى ، وكلام الحكماء يحيى الموتى ، وكلام العارفين يرضى المولى .
وقيل : الحكمة تحيى القلوب الميتة ، وتستعمل الأجساد المتغلظة « 1 » ، وتجمع الهمم المتفرقة ، وتبكى العيون الجافية ، وترقق الأفئدة القاسية ، وتوسع الصدور الضيقة ، وتنور البقاع المظلمة ، وتحرر العبيد ، وتغنى الفقير ، وتعزز الذليل ، وتجلس المملوك مجالس الملوك .
وقال بعضهم : إذا ظهر حكيم في محلة ، تبين فيها عشر علامات ، قبحت الدنيا في أعينهم ، وحسنت الآخرة عندهم ، وسكن غليان قدورهم « 2 » ، وارتفع غليان قلوبهم ، وذهب القال والقيل من بينهم ، وازدحم الناس في مساجدهم ، وتفرقوا من أسواقهم ، واسترفق سنانيرهم « 3 » ، وكلابهم ، وحميرهم ، وفقرؤاهم ، وطرد عنهم الشيطان ، ورضى عنهم الرحمن .
وفيما أوحى الملك الكريم إلى المخصوص بالمناجاة والتكليم : يا موسى بن عمران ، اضمن لي من نفسك ثلاثة ، أكرمك بثلاثة : احفظ بطنك من الحرام والشبه ، حتى أكرمك بالحكمة ، واقطع قرين السوء ، حتى أكرمك بالرفيق الصالح ، واحفظ لسانك من الكذب والغيبة ، حتى أكرمك بدخول الجنة ، فهذا واللّه هو
هامش
( 1 ) أي تدفع الأجسام الثقيلة إلى العمل في مرضاة اللّه .
( 2 ) كتابه عن الزهد والتفريغ والتقلل من الطعام .
( 3 ) السناسير جمع سنور ، وهو القط ، ومعنى استرفاق الكلاب الكلاب والسناسير ، أنها تشبع دائما ، فلا تغلب عليها الوحشية ، واسترفاق الحمير : هدوءها لقلة إثارتها بالعدوان عليها .