لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
[ الحجرات : 3 ] .
وقال جعفر الخلدى في قوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] ، قال : إلا ليعرفوني ، ثم يعبدوني على بساط المعرفة ، ليتبرأوا من الرياء والسمعة .
وقال ابن عطا : إلا ليعرفوني ، وما عرفه حقيقة من وصفه بما لا يليق « 1 » .
سئل الشبلي ، رضى اللّه عنه ، عن قوله :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
[ البقرة : 171 ] ، قال : هذه صفة العارف ؛ لأن اللّه تعالى قال للكافر والزنديق :
صُمٌّ
عن استماع الحق ،
بُكْمٌ
عن التكلم بالحق ،
عُمْيٌ
عن النظر إلى الآخرة والحق
فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
[ البقرة : 171 ] أمر الهوى والدنيا ، فالعارف الصديق هو بضد هذا الوصف ، [ أ ] صم ، فلا يسمع غير الحق من الحق ، [ أ ] بكم ، فلا ينطق إلا بالحق من الحق للحق ، [ أ ] عمى ، فلا ينظر إلا للحق بالحق ، ثم قرأ :
أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
[ يوسف : 39 ] .
وقيل له مرة أخرى : هل للعارف علامة ؟ قال : نعم ، الاستغناء ، والافتقار ، والاحتقار للنفس .
وقيل :
صُمٌّ
، فلا يسمعون نداء المخالفين ،
بُكْمٌ
، فلا ينطقون مع المعرضين ،
عُمْيٌ
فلا ينظرون بعين « 2 » الجاهلين .
وقد قيل في معنى هذا من تفسير قوله تعالى في قصة هارون وموسى ، عليهما السلام :
وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً
[ القصص : 34 ] ، قال أبو بكر بن طاهر :
هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً
؛ لأنه لم يسمع خطابك ، ولم يخاطبك في موقف حضورك ، فهو أفصح منى لسانا مع المخلوقين ، كيف أكون معهم فصيحا وقد سمعت لذة كلامك ؟ ! ولكن كيف أخاطبهم مع مخاطبتك ؟ ! أم كيف أجعل لهم وزرا على ما أدنيتنى وخصصتني به من قربك ؟ ! وكيف أخاطبهم بلسان به خاطبتك ؟ ! وكيف أطيق سمع خطابهم بأذن سمعت بها خطابك ؟ ! وقيل : كيف أخاطبهم ، وكلما ذكرت نداءك لي :
إِنَّ رَبَّكَ
، تحيرت في فهم الكلام كأني
هامش
( 1 ) في الأصل : ولا معرفة حقيقية من وصفه بما لا يليق .
( 2 ) في الأصل بزين ، وأفرد الضمير في الفقرة كلها .