الوجودي الأنطولوجي الذي يغلّفها ويحيط بها في أسئلته المتكاثرة .
ولكن ألا ينبغي لنا التريث قليلا لنتحوّط ألا نكون قد أسقطنا على النفّريّ أفكار عصرنا نحن ؟ في الواقع ، لا . فمشكلة القيمة المعرفية للكتابة قديمة قدم الكتابة ذاتها .
يروي أفلاطون أن تحوت ، إله الكتابة عند قدماء المصريين ، حين اخترع حروف الأبجدية ، كان يريد لها أن تكون قادرة على إنطاق الماضي واسترجاع تفاصيله . غير أن الملك حاججه بأنها لن تكون سوى استذكار زائف للماضي ، لا استعادة حقيقية له .
ونحن نعرف أن سقراط أضرب عن الكتابة . وكان النبي محمد أميا برغم أن أميّته هي الكتابة في أقصى صورها الإبداعية . وقبل عصر النفّريّ بقليل ، أحرق أبو عمرو الداراني كتبه ، وهو ينتحب عليها قائلا : « والله ما أحرقتك حتى كدت أحترق بك » .
وفي عصر النفّريّ ذاته ، نصطدم بتجربة أبي حيان التوحيدي وإحراقه كتبه « 13 » . في كل هذه الحالات ، هناك تعاط مع معضلة التجربة الوجودية في محاولة إخراج الكتابة من حدودها الاتصالية والارتقاء بها إلى مشارفة المستحيل بالانفتاح على ما لا يتناهى .
كانت تجربة النفّريّ ، إذا ، هي محاولة إخراج العبارة من ضيق الاتصال إلى فضاء الرؤية . ولما كانت الرؤية فضاء مفتوحا على اتساع الأبد ، فقد تمثلت مشكلته في كيفية إخراج اللغة من إطارها المحدود إلى ذلك الاتساع اللانهائي للرؤية . من هنا تأتي قولته الشهيرة : « إذا اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة » . الرؤية والعبارة فرسا رهان يتسابقان مع بعضهما . وكان النفّريّ يريد ، من خلال كتابته أو إضرابه عن الكتابة ، أن يكون « أميّا » من خلال الرؤية ، أي أن يستنطق الصمت للوصول به إلى مشارف اللغة المعبّرة عمّا يستعصي التعبير عنه ، ويجلّ عن التسمية .
لقد طرح آربري هذه الأسئلة ، لا من زاوية وجودية أنطولوجية تتمثل في موقف النفّريّ من الكتابة ، بل من زاوية فيلولوجية بحت : من هو محرر كتابات النفّريّ ؟ .
ولذلك كتب : « إننا نجد أنفسنا مسوقين إلى الاعتقاد بأن العمل ، كما وصل لنا ، لا ينتمي إلى النفّريّ على نحو تام ، بل إن شكله الأدبي يدلّ على تدخل يد أخرى فيه .
ولم يكن من النادر أن يتدخّل أتباع الشيوخ المميّزين لتحرير كتابات أشياخهم بعد وفاتهم . ومن المستحيل البتّ ما إذا كان ابن النفّريّ أو حفيده هو المسؤول في هذه
هامش
( 13 ) تعرض ابن الجوزي لمثل هذه التجارب عن إحراق الكتب في كتابه « تلبيس إبليس » في سياق استهجاني .